كلما استمعت الى صوت نجاة الصغيرة تستدعي ذاكرتي على الفور اسم صديق الدراسة الثانوية عبد المنتصر خضر متولي، فقد تعلمت منه كيف أعيد اكتشاف صوت نجاة، الذي لم يكن متاحاً تحت الطلب قبل زمن الكاسيت، فكنا ننتظر أن تجود علينا الإذاعة بإحدى أغنياتها، وَيَا سلام لو غنت نجاة “أنا بستناك”، كان صديقنا عبد المنتصر خضر يشعر وكأن نجاة تستناه هو شخصياً، فيحلق مع نفسه في أجواء اللقاء، وسط انشغالنا معه في منافسات الشطرنج الأكثر شراسة.
مرت سنوات لم أرَ فيها عبد المنتصر الذي حصل على ليسانس الحقوق في جامعة القاهرة واشتغل بالمحاماة، لكنني تذكرته وأنا ألتقي بنجاة الصغيرة لأول وآخر مرة داخل مبنى التلفزيون بماسبيرو، فوجئت بها وجهاً لوجه وأنا على باب الاستديو، كانت قصيرة القامة بشكل ملحوظ جداً، على الرغم من الكعب العالي جداً وتسريحة الشعر التي تضيف الى طولها بضعة سنتيمترات، عقدت الدهشة لساني فلم أنبس ببنت شفة، لكنني صارحت الأستاذ ابراهيم وهبي وكان قد سبقني الى الاستوديو بأنها “نجاة الصغيرة جداً”. ضحك الأستاذ ابراهيم وهبي، محذراً بإيماءة من رأسه “احترس فقد تسمعك”. شاركت نجاة في تربية ذائقتي الفنية، وتركت في طفولتي علامات، بعضها يستدعي حزناً مصحوباً بالخوف من الغربة، مثل “غريبة منسية” كان بوسع هذه الأغنية إن استمعت إليها أن تستدعي كل قوافل الأحزان، وكل ليالي الشجن وهي تقول “يا عيني بيني وبين الناس بحرين هموم وظنون بحرين.. وأنا أعمل إيه وأعز الناس ماليين حياتي بدمع العين”.. وبعضها يستدعي البؤس وهي تغني “ع الشوك ماشي يا ضي عنيه وطال بي المشوار.. لا حبك وداني الجنة ولا فاتني عايش في النار”. كنت أبتئس لحالها، وأطالع وجه أمي وهي تتجاوب بدموعها مع تلك الأغاني الحزينة، فيزداد إحساسي بالحزن والشجن.
شكلت أغنية “ساكن قصادي”، نقلة في علاقة طفولتي بنجاة الصغيرة، كانت عملاً عبقرياً بكل المقاييس، لا يخلو من الحدوتة والدراما والشجن، عمل جسد ما أسماه عمار الشريعي لاحقاً “إزاي تشوف الموسيقى” هكذا نجح عبد الوهاب بموسيقاه في تحويل “ساكن قصادي” الى فيلم نراه بآذاننا، ونجحت نجاة بأدائها الصوتي للأغنية في تجسيد الحدوتة بكل تفاعلاتها من الخجل “أبداً ما أقدرش أقوله”، الى الشوق “فضلت أستنى الأيام في ميعاد ما يسهر وميعاد ما يرجع.. وكل خطوة أرسم احلام تكبر في قلبي والقلب يطمع”، الى خيبة الأمل “وفي يوم صحيت على صوت فرح بصيت من الشباك.. زينة وتهاني وناس كثير جايين هنا وهناك.. هللت م الفرحة وسألت.. قالوا جاري حبيبي”، الى اليأس “حتى الأمل ما بقاش لي حق أفكر فيه.. بعد الليلادي خلاص بقى غيري أولى بيه”.
كانت أمي تروي لي كيف أن نجاة الصغيرة وشريفة فاضل وفايدة كامل كن يسهرن بالفراندا في منزلنا في صحبة الملحن أحمد عبد القادر الذي كان يلتقي في بيتنا بالفنانين والفنانات الذين يعد ألحاناً من أجلهم، بسبب ضيق منزله القريب من مسجد سيدي الحلي قرب سوق الجملة بروض الفرج. وتروي لي أمي كيف كان أبي يطلب البشاكير لتغطي الفنانات سيقانهن أثناء الجلوس بالفراندا للبروفات أو حفظ الألحان.
مطلع الثمانينيات وقبيل سفري الى الهند، أهداني الصديق مجدي غنيم (أفضل محرر علمي عرفته مصر) شريط كاسيت من إعداده يضم بعض أجمل أغنيات الخمسينيات والستينيات، كان من بينها تسجيل نادر يجمع نجاة وعبد الوهاب، أثناء تحفيظها قصيدة “أيظن” أولى قصائد نزار قباني المغناة، يغني عبد الوهاب المقطع وتردد خلفه نجاة، ثم يصححلها الأستاذ “حمل الزهور إلي..” وبعد برهة صمت يكمل قائلاً: “كيف أرده.. وصبايَ مرسوم على شفتيه”. عدت من الهند وقد أصبح صوت نجاة أحد أهم إيقاعات مفردات حياتي اليومية.
أصوات كثيرة ظهرت، وألوان من الغناء سادت، لكن صوت نجاة احتفظ بمكانة خاصة متربعاً داخل مكرمية شرقية تتدلى من سقف عبقري حملت نقوشه مفردات عمر ممتد من الطرب.


