“ليالي الأنس في فيينا”، “امتى هتعرف امتى”، “يا حبيبي تعالى ألحقني شوف اللي جرالي”… أغاني خالدة للمطربة أسمهان التي حلت ذكرى وفاتها منذ يومين (في 14 تموز 1944)، عن عمر 32 ربيعاً، إثر حادث مؤلم، بعد مسيرة فنية قصيرة، لكنها مؤثرة، اذ استطاعت في سنوات قليلة أن تحفر اسمها في تاريخ الفن، منذ بدايتها مع أخيها فريد الأطرش، والذي كانت علاقتها به في غاية الحب والود والتفاهم، وكان أول من دعمها فنياً.
عاشت أسمهان حياة الأميرات، كما عرفت طعم الفقر. كانت صاحبة أروع ضحكة، لكن عينيها كانتا بئري دموع وأحزان… إسمها الحقيقي آمال فهد إسماعيل الأطرش، وتنتمي الى عائلة الأطرش احدى أكبر العائلات في سوريا، من طائفة الموحدين الدروز، والتي كان فيها رجال لعبوا دوراً بارزاً في الحياة السياسية في سوريا والمنطقة، أبرزهم سلطان الأطرش قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي.
ولادتها:
أسمهان ولدت أميرة، فهي ابنة أمير الدروز قبل نشوب الحرب، وعاشت طيلة حياتها تتصرف كأميرة، على الرغم من الظروف القاسية التي مرت بها الأم علياء اللبنانية، حتى أنها قررت العمل للإنفاق على أسرتها، فعملت في الأديرة وكمطربة في الأفراح الشعبية. ولدت في 25 تشرين الثاني عام 1912، على متن باخرة كانت تقل عائلتها من تركيا بعد خلاف وقع بين والدها والسلطات التركية ليغادروا الأراضي التركية متجهين الى سوريا وتحديداً الى جبل الدورز معقل آل الاطرش، وهناك عاشت الأسرة حياة سعيدة حتى وفاة الوالد عام 1925، فاضطرت آمال الى السفر مراراً وتكراراً بصُحبة والدتها وشقيقيها فؤاد وفريد من سوريا إلى القاهرة هرباً من الفرنسيين الذين رغبوا في اعتقالها هي وعائلتها لنضال والدها ضدهم.
بدايتها الفنية:
مواهب أسمهان الغنائية بدأت منذ الطفولة، فكانت تغني في البيت والمدرسة مرددة أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. وفي أحد الأيام استقبل فريد في المنزل (وكان وقتها في بدايه حياته الفنية) الملحن داود حسني أحد كبار الموسيقيين في مصر، وسمع آمال تغني في غرفتها فطلب إحضارها وسألها أن تغني من جديد، فغنت وأعجب بصوتها، ولما انتهت قال لها داود حسني: “كنت أتعهد تدريب فتاة تشبهك جمالاً وصوتاً، توفيت قبل أن تشتهر، لذلك أحب أن أدعوك باسمها أسمهان”.
وهكذا أصبح اسم آمال الفني أسمهان، وبدأت بمشاركة شقيقها فريد الأطرش الغناء في صالة ماري منصور في شارع عماد الدين منذ العام 1931 بعد تجربة الغناء مع والدتها علياء المنذر في حفلات الأفراح والاذاعة المحلية، وذاع صيتها في عالم الفن والغناء.
مسيرتها الفنية:
إستطاعت أسمهان أن تنافس كبار نجوم زمن الفن الجميل مثل أم كلثوم، وفتحت لها أبواب الشهرة، ولم يقتصر عملها على أخيها، بل استطاعت بموهبتها أن تقنع كبار ملحني العصر بالتلحين لها، ومنهم: محمد القصبجي الذي لحن لها معظم أغانيها مثل “يا طيور”، “كلمة يا نور العين”، “فرق ما بينا ليه الزمان”، “كنت الأماني”، “امتى هتعرف امتى”، “انا اللي أستاهل”، ورياض السنباطي في “يا لعينك”، “أيها النائم” و”بنت النيل”.
أعمالها السينمائية:
جذبت أضواء السينما أسمهان، ومثلت أول أفلامها “انتصار الشباب” عام 1941 مع شقيقها فريد الأطرش، وشاركته أغاني الفيلم، وخلال تصويره تعرفت على المخرج أحمد بدرخان ثم تزوجته، وفي سنة 1944 مثلت فيلمها الثاني والأخير “غرام وانتقام” إلى جانب يوسف وهبي وأنور وجدي ومحمود المليجي وبشارة واكيم وسجلت فيه مجموعة من أحلى أغانيها، ولكن يبدو أن الحظ خالفها وكتب القدر نهايتها مع نهاية الفيلم.
وفاتها:
أثناء تصوير فيلم “غرام وانتقام”، رأت أسمهان أنّها بحاجة إلى الراحة، وقررت الذهاب إلى مدينة رأس البر، مصطحبة مساعدتها ماري، وفي الطريق اصطدمت السيارة بحفرة كبيرة، أطاحتها داخل ترعة، واستطاع السائق القفز سريعاً، فيما فشلت محاولات خروج أسمهان، وماتت عن عمر 32 سنة. وقد أثارت وفاتها جدلاً واسعاً، وكانت ولا تزال من ضمن الحكايات المجهولة التي تحمل علامات الاستفهام.
محاولات إنتحار وهدف للقتل:
أسمهان التي تحدثت الكثير من المصادر عن علاقتها بالمخابرات البريطانية والحلفاء في فترة الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام، في إطار محاولات الأمراء لنيل الاستقلال بعد هزيمة قوات المحور، وكذلك عن علاقتها بالقصر الملكي في عهد فاروق وخصوصاً مع أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكي، حاولت الانتحار أكثر من مرة، كما كانت هدفاً لمحاولات قتل أكثر من مرة ولأسباب متعددة. وفي احدى المحاولات تناولت كمية كبيرة من الأقراص المنومة في جبل الدروز خلال فترة زواجها من ابن عمها ووالد ابنتها الوحيدة كاميليا الأمير حسن الأطرش بعد مشكلات معه وإحساسها بالملل والرتابة. كما حاولت الانتحار مرة ثانية في فندق “مينا هاوس” بسبب الديون المتراكمة عليها في الفندق وأنقذتها صديقتها ماري قلادة التي لقيت مصرعها معها فى الحادث نفسه الذي توفت فيه أسمهان.
أما محاولات القتل فكانت مرة على يد المخابرات الانكليزية بعد أن قررت أسمهان إنهاء التعاون معها، ومرة على يد زوجها الثالث الفنان أحمد سالم بعد محاولته منعها من الخروج لكثرة سهراتها وما أشيع حول علاقتها بأحمد حسنين باشا.
قالوا عنها:
وصف موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أسمهان بأنها “فتاة صغيرة لكن صوتها صوت امرأة ناضجة، واسم أسمهان مأخوذ من الكلمة التركية من اسم وهان المحرفة من كلمة خان وتعني الحاكم أو السلطان والجاه”. أما الفنان الكبير يوسف وهبي فقال فيها: “بموت أسمهان فقدنا مورداً هائلاً من موارد نجاح السينما العربية، ربنا أراد أن تغادر العالم وهي في صورة الزهرة الجميلة المعطرة”. وقال عنها شقيقها الموسيقار فريد الأطرش: “أسمهان دُرة وألماظة حلوة ضاعت منا، مش عايز أقول راحت لأنها عايشة بينا، فهي صوت جميل، بصوتها الجميل ونبراتها القوية وقوة حنجرتها الصافية البراقة”.
أسمهان سطرت حياتها ليس بأغانيها الخالدة وحسب، بل أيضاً بقصص ومغامرات، مليئة بالمآسي والغرائب، واكتنف الغموض حياتها، مثلما أحاط بموتها.


