تواجه الصناعة اللبنانية تحديات متفاقمة بسبب أزمة الكهرباء التي انعكست بصورة مباشرة على كلفة الإنتاج واستمرارية عمل المصانع. ومع ازدياد انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار الطاقة، بات البحث عن حلول بديلة أمراً حتمياً، ما دفع العديد من المصانع إلى الاستثمار في الطاقة الشمسية كخيار يُمكن أن يخفف من الأعباء التشغيلية. ولكن هل يمكن اعتبار هذا التحول كافياً لضمان استمرارية القطاع الصناعي في لبنان؟
الطاقة الشمسية: حل جزئي أم بديل شامل؟
على الرغم من التوجه المتزايد نحو اعتماد الطاقة الشمسية، إلا أن هذا الحل لا يزال محصوراً في نطاق محدود داخل المصانع. ووفقاً لعضو مجلس إدارة جمعية الصناعيين إبراهيم ملاح، فإن استخدام الطاقة الشمسية يقتصر غالباً على تشغيل المكاتب الادارية، مراكز التوضيب، والمستودعات، في حين تبقى المصانع ذات الاستهلاك الكبير للطاقة بحاجة إلى مصادر أكثر استقراراً لتشغيل آلاتها الثقيلة.
وأشار ملاح إلى أن إمكان تشغيل المعدات الكبيرة بالطاقة الشمسية تظل نظرية في غياب مزارع ضخمة للألواح الشمسية، والتي تحتاج إلى مساحات واسعة واستثمارات كبيرة، ما يجعل هذا الخيار غير متاح لغالبية المصانع.
التأثير على القدرة التنافسية للصناعة
وعن قدرة الصناعة اللبنانية على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية، رأى ملاح أن الاعتماد على الطاقة الشمسية لا يشكل عاملاً أساسياً في تعزيز هذه القدرة، بل يساهم في تقليل بعض التكاليف التشغيلية فقط. وأوضح أن الفوائد الأساسية لهذا النظام تكمن في: أولاً، تقليل الضغط على المولدات الكهربائية، خصوصاً خلال ساعات النهار، حيث يتركز الاستهلاك في المكاتب وقاعات التوضيب أكثر من تشغيل الآلات. ثانياً، خفض استهلاك الكهرباء على المدى الطويل، ما يخفف الأعباء المالية المرتبطة بالطاقة الثابتة مثل الإضاءة والتدفئة والتبريد.
ومع ذلك، يبقى التأثير على الكلفة النهائية للمنتجات محدوداً، إذ لا يؤدي استخدام الطاقة الشمسية إلى خفض الأسعار بصورة كبيرة، ما لم يتم إنتاج كميات ضخمة من الطاقة تتيح تشغيل المصانع بكامل طاقتها.
نتيجة لتدهور وضع الكهرباء في لبنان، اضطر بعض المصانع إلى تبني نموذج الاكتفاء الذاتي والابتعاد عن كهرباء الدولة، خصوصاً مع ارتفاع التعرفة وعدم انتظام التغذية الكهربائية. وأشار ملاح إلى أن بعض المصانع قرر إلغاء عدادات مؤسسة “كهرباء لبنان” والاعتماد كلياً على المولدات الخاصة، على الرغم من كلفتها المرتفعة، كونها توفر استقراراً نسبياً في إمدادات الطاقة.
أحد أبرز العوامل التي تؤثر على تنافسية الصناعة اللبنانية هو ارتفاع تكلفة الكهرباء مقارنة بالدول الأخرى، بحيث يعتمد العديد من الدول على مصادر طاقة متنوعة مثل الطاقة النووية، الطاقة المائية وطاقة الرياح، ما يتيح لها تقديم الكهرباء بتكاليف أقل. وأكد ملاح أن المصانع اللبنانية تواجه تحدياً كبيراً في هذا الاطار، إذ إن تكلفة الطاقة في الخارج تظل أدنى حتى عندما لا تكون مدعومة حكومياً، ما يزيد من صعوبة المنافسة.
على الرغم من أن الطاقة الشمسية تُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أنها ليست حلاً سحرياً لأزمة الكهرباء في لبنان. فمن دون خطط حكومية واضحة واستثمارات استراتيجية في الطاقة البديلة، ستظل المصانع اللبنانية عالقة في دوامة البحث عن حلول فردية ومكلفة، ما يحدّ من قدرتها على النمو والتطور. والمستقبل يتطلب رؤية شاملة تجمع بين دعم الطاقة المتجددة وإصلاح قطاع الكهرباء لضمان بيئة صناعية مستقرة ومستدامة.
الخبير المتخصص في مجال الطاقة المهندس سامي بدر، أكد في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن التوجه نحو الطاقة الشمسية خطوة إيجابية لتخفيف الأعباء التشغيلية التي تواجه المصانع اللبنانية، ولكن لا يمكن اعتباره الحل الشامل لأزمة الطاقة في القطاع الصناعي، موضحاً أن المصانع، خصوصاً تلك التي تعتمد على معدات ثقيلة، تحتاج إلى مصدر طاقة مستقر ودائم، وهو أمر يصعب تحقيقه بالاعتماد فقط على الألواح الشمسية، وتحديداً في ظل غياب تقنيات تخزين فاعلة بتكاليف مقبولة.
وأشار بدر إلى أن تشكيل الحكومة الجديدة يشكل فرصة حقيقية لإعادة النظر في سياسات قطاع الطاقة ووضع خطط استراتيجية تدعم الحلول المستدامة، معتبراً أن “المطلوب ليس تشجيع المصانع على تركيب أنظمة الطاقة الشمسية وحسب، بل وضع إطار متكامل يشمل تحفيز الاستثمار في مزارع الطاقة الشمسية الكبيرة، وتسهيل استيراد المعدات اللازمة، وتقديم تسهيلات مالية للصناعيين الراغبين في تبني هذا الخيار”.
وشدد على ضرورة التركيز على تطوير حلول تخزين الطاقة، لأن فاعلية الطاقة الشمسية تبقى محدودة طالما أن المصانع لا تستطيع استخدامها إلا خلال ساعات النهار، لافتاً الى أن “إصلاح شبكة الكهرباء الوطنية لتمكينها من دمج مصادر الطاقة المتجددة بصورة فاعلة يمكن أن يفتح المجال أمام حلول أكثر استدامة وأقل كلفة”.
ورأى بدر أن “المطلوب اليوم رؤية واضحة من الحكومة الجديدة، تتضمن سياسات تحفيزية، وتعاوناً بين القطاعين العام والخاص، واستثمارات استراتيجية في البنية التحتية للطاقة. ومن دون هذه الخطوات، ستبقى الصناعة اللبنانية تعاني من التحديات نفسها، وسيظل الاعتماد على الطاقة الشمسية مجرد حل جزئي وليس بديلاً حقيقياً عن مصادر الطاقة التقليدية”.


