تدخل الحياة النقدية والمالية في لبنان مرحلة مفصلية مع تولي كريم سعيد منصب حاكم مصرف لبنان، بحيث تتجه الأنظار إلى مصير الليرة اللبنانية التي عانت من موجة سقوط حر عنيفة منذ اندلاع الأزمة في خريف 2019، إذ فقدت أكثر من 98 في المئة من قيمتها، مسجّلة سعر صرف يناهز 150 ألف ليرة للدولار الأميركي الواحد. وقد جعلت هذه الأزمة المتفاقمة الليرة واحدة من أضعف العملات في العالم، نتيجة لتداعيات متتالية من الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية والسياسية.
فمنذ بداية الأزمة، واجه لبنان سلسلة من الصدمات العميقة التي سرّعت انهيار الليرة، بدءاً من الأزمات الاقتصادية المتعددة، مروراً بالانهيار المدوي للقطاع المصرفي الذي ترافق مع تراجع حاد في الاستثمارات وتباطؤ النمو الاقتصادي، وصولاً إلى تداعيات حرب أيلول التي كبّدت الاقتصاد اللبناني خسائر باهظة الثمن. كما ساهم انعدام الثقة بالعملة الوطنية، إلى جانب الاعتماد المفرط على الدولار، ودخول البلاد في مرحلة “الدولرة الشاملة” إلى مزيد من التدهور في القوة الشرائية لليرة اللبنانية.
ومع التطورات الايجابية التي يشهدها لبنان، تترقب الأوساط الاقتصادية تحسن الأوضاع النقدية والمالية، لا سيما من خلال تعزيز قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. ففي الفترة الأخيرة، شهد سعر الصرف استقراراً نسبياً لامس عتبة التسعين ألف ليرة، إلا أن هذا الاستقرار لا يزال هشاً، كونه يعتمد بصورة رئيسية على التدخل المباشر لمصرف لبنان واستقلالية قراراته عن الضغوط السياسية، وليس على أي تحسن حقيقي في العوامل الاقتصادية أو توازن العرض والطلب في السوق.
في هذا السياق، تلعب عوامل أساسية دوراً رئيسياً في إعادة الاستقرار إلى الليرة اللبنانية، أبرزها:
السياسة النقدية لمصرف لبنان
تحظى السياسة النقدية التي سيتبناها مصرف لبنان بأهمية استثنائية في المرحلة المقبلة، في ظل النقص الحاد في الاحتياطيات الأجنبية وانهيار الثقة بالنظام المصرفي. إذ تقع على عاتق مصرف لبنان مسؤولية إعادة الثقة والاستقرار الى الليرة ضمن إطار النظام النقدي، بالاضافة إلى العمل على حماية استقرار النظام المالي وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية للمصرف المركزي. وتعتمد قدرة البلاد على مواجهة التقلبات الاقتصادية إلى حدّ كبير على مدى نجاح المركزي في تحقيق استقرار نقدي ومالي مستدام، والحدّ من معدلات التضخم التي أرهقت كاهل اللبنانيين.
مفاوضات صندوق النقد الدولي
تشكل المفاوضات المرتقبة بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل لبنان المالي. إذ يشترط الصندوق تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة مقابل تقديم أي دعم مالي، وتشمل أبرز هذه الاصلاحات إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إصلاح الادارة العامة، معالجة أزمة أموال المودعين، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. كما يطالب الصندوق بتحرير سعر الصرف كجزء من البرنامج الاصلاحي المنشود. وسيكون لنجاح هذه المفاوضات أو فشلها تأثير جوهري على استعادة الثقة بالعملة الوطنية، وبالتالي على استقرار سعر الصرف.
الاستقرار السياسي والأمني
لا يمكن تحقيق استقرار نقدي مستدام من دون استقرار سياسي وأمني. ومع انتهاء الفراغ الرئاسي وانتظام الحياة السياسية في لبنان، يُتوقع أن تباشر الحكومة وضع برنامج إصلاحي شامل وتنفيذه، وانتهاج سياسات اقتصادية ونقدية فاعلة تواكب التحديات الاقتصادية القائمة. إذ إن استعادة الاستقرار المؤسساتي من شأنه أن يعزز الثقة بالاقتصاد الوطني، ويسهم في خلق بيئة استثمارية محفزة، تتيح المجال لعودة التدفقات المالية وإطلاق المشاريع الاستثمارية الضخمة في القطاعات الحيوية. وبالتالي، سيساهم ذلك في تحفيز النشاط الاقتصادي، والسيطرة على معدلات التضخم، وتخفيف الضغط على العملة، ما يعيد التوازن الى النظام النقدي والمالي.
يبقى استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية حجر الأساس الذي يستند اليه استقرار الاقتصاد اللبناني بقطاعاته ومؤشراته كافة. ومن هنا، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكّن العهد الجديد، المتمثل في ثلاثية رئاسة الجمهورية، الحكومة، وحاكمية مصرف لبنان، من استعادة “أيام العز” التي شهدتها الليرة اللبنانية في الماضي؟


