رسوم ترامب… قنبلة موقوتة تهدد بحرب اقتصادية عالمية

هدى علاء الدين
دونالد ترامب (الرسوم الجمركية)
ترامب فرض تعريفات جمركية جديدة على واردات بلاده من دول العالم أجمع (رويترز)

في عالم يتسم بترابط اقتصادي غير مسبوق، تبرز سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية – تحت شعار “يوم التحرير الاقتصادي” – كعامل صدمة يُهدد بإعادة تشكيل النظام العالمي. فقد عاد ترامب إلى استخدام سلاحه المفضّل: الرسوم الجمركية، في خطوة يرى فيها حماية للاقتصاد الأميركي، بينما يعتبرها كثيرون إعلاناً صريحاً لحرب اقتصادية عالمية، تتجاوز تداعياتها حدود الصين وأوروبا، لتطال الدول الفقيرة والمستهلك الأميركي على حد سواء.

خلال ولايته الأولى، فرض ترامب رسوماً جمركية على واردات من الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، مستهدفاً قطاعات حيوية كالفولاذ والألمنيوم، بحجة تقليص العجز التجاري وحماية الوظائف. أما اليوم، فقد عاد إلى هذا النهج، رافعاً الرسوم إلى مستويات غير مسبوقة تراوحت بين 10 في المئة و54 في المئة، في خطوة وصفت بأنها مقامرة خطيرة بمستقبل الاقتصاد العالمي. وكانت الصين الأكثر تضرراً، بتعريفة بلغت 54 في المئة، تلتها كمبوديا (49 في المئة)، فيتنام (46 في المئة)، تايوان (32 في المئة) واليابان (24 في المئة).

وبحسب منظمة التجارة العالمية، فإن متوسط الرسوم الجمركية المرجّحة في الاتحاد الأوروبي لا يتجاوز 2.7 في المئة. غير أن ترامب، عبر خلط متعمد بين الضرائب التنظيمية والرسوم المضافة الأوروبية، ادّعى أن “التعريفة الفعالة” المفروضة على السلع الأميركية تبلغ 39 في المئة، ليبرر فرضه تعريفة بنسبة 20 في المئة فقط، مدعياً أنه “كريم في تعامله”.

وبالعودة إلى العام 2017، عندما دخل ترامب البيت الأبيض لأول مرة، كان متوسط الرسوم الجمركية على السلع المستوردة نحو 1.5 في المئة، وارتفع إلى 3 في المئة مع نهاية ولايته الأولى عام 2021. أما بعد تنفيذ سياسة “المعاملة بالمثل” في 9 نيسان، والاجراءات الأخرى المكمّلة، فتشير التقديرات إلى قفزة كبيرة في مستوى الرسوم. إذ تُقدَّر النسبة الجديدة بنحو 21 في المئة وفقاً لوكالة “فيتش”، وقد تصل إلى 29 في المئة بحسب شركة “إيفركور” للأبحاث، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ أكثر من مئة عام.

وقد بدأت وكالات الجمارك الأميركية يوم السبت تطبيق رسوم موحّدة بنسبة 10 في المئة على جميع الواردات من عشرات الدول، في إجراء يُجسّد رفضاً واضحاً للنظام التجاري العالمي المتعدد الأطراف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على مبدأ التفاوض المتبادل. وأعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية منح فترة سماح مدتها 51 يوماً للسلع التي تم تحميلها أو شحنها قبل بدء تنفيذ القرار، شريطة وصولها قبل 27 أيار لتفادي دفع الرسوم الجديدة.

تبسيط اقتصادي في عالم بالغ التعقيد

يرتكز نهج ترامب على مبدأ بسيط وخطير مفاده أنه كلما ارتفعت الرسوم، زادت الاستثمارات المحلية، وتقلّص العجز التجاري. إلا أن هذا المنطق يُهمل التشابكات المعقدة في الاقتصاد العالمي، ويتجاهل أن الرسوم الجمركية تُحمَّل في النهاية على كاهل المستهلك الأميركي، وليس على الشركات الأجنبية كما يُروّج.

وتقوم هذه السياسات على افتراض أن العجز التجاري الأميركي هو نتيجة “نهب اقتصادي” تتعرض له البلاد، وأن إعادة فرض الحواجز التجارية كفيلة بإحياء قطاع التصنيع المحلي. غير أن الواقع أكثر تعقيداً؛ فالعجز التجاري يعود بدرجة كبيرة إلى قوة الدولار الأميركي، وارتفاع الطلب المحلي مقارنة بالانتاج، إضافة إلى انتقال سلاسل التوريد إلى دول منخفضة التكلفة.

وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض إن إعلان ترامب الأخير يُعدّ “أكثر عملية إعادة هيكلة طموحاً للاقتصاد الأميركي شهدها الشعب الأميركي على الاطلاق”. وفي الواقع، يصعب الاختلاف مع هذا التوصيف، وإن كان محمّلاً بالمخاطر.

الجميع في مرمى النار

وعلى الرغم من وجود حجج معقولة لحماية بعض القطاعات الاستراتيجية من الممارسات التجارية غير العادلة، فإن سياسات ترامب تتسم بالفوضوية والعمومية؛ إذ لا تفرّق بين حلفاء وخصوم، ولا بين اقتصادات غنية وفقيرة. بل إن دولاً مثل ليسوتو وبنغلادش، التي لا تملك فوائض تجارية حقيقية، أصبحت فجأة في قلب العاصفة. ويُهدد هذا التوجه بتدمير قطاعات حيوية فيها، مثل صناعة الملابس، ويزيد من حدة الفقر والجوع في بلدان الجنوب العالمي.

ووفقاً لتقديرات “مختبر الميزانية” في جامعة ييل، ستؤدي هذه الرسوم إلى رفع معدل التضخم الأميركي بنحو 2.3 نقطة مئوية خلال العام الحالي، بما يُعادل تكلفة سنوية إضافية تُقدَّر بـ 3,800 دولار للأسرة الأميركية المتوسطة.

ومع أن قطاع التصنيع الأميركي يحتل صدارة خطاب ترامب الاقتصادي، فإن الأرقام لا تدعمه؛ فمنذ ذروته عام 1979 حين ضمّ 19.5 مليون عامل، انخفض العدد إلى 12.7 مليوناً فقط، على الرغممن محاولات الدعم التي بذلتها إدارة جو بايدن، ما يثير تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن للرسوم الجمركية حقاً أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء؟

الأسواق تُطلق إنذاراً مبكراً

ردّت الأسواق المالية بسرعة على إعلان ترامب يوم الأربعاء، بحيث سجلت أسهم الشركات المدرجة في مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” خسائر تجاوزت 5 تريليونات دولار خلال يومين – في أكبر تراجع من نوعه على الاطلاق. وانخفضت أسعار النفط والسلع الأساسية، بينما تدفق المستثمرون نحو السندات الحكومية، بحثاً عن ملاذ آمن. وكانت شركات التكنولوجيا الأكثر تضرراً، وسط مخاوف من تباطؤ الاستهلاك وارتفاع التكاليف.

ولم يقتصر التأثير على السوق الأميركية، إذ سارع الاتحاد الأوروبي والصين إلى التلويح بإجراءات مضادة. أما الدول الفقيرة – مثل فيتنام وبنغلادش وليسوتو – فوجدت نفسها مهددة برسوم قد تقوّض اقتصاداتها الضعيفة، على الرغم من أن فوائضها التجارية مع الولايات المتحدة لا تعكس هيمنة صناعية، بل تعكس هشاشة استيرادية ناتجة عن الفقر.

تحذيرات دولية.. وقلق عالمي

حذّر صندوق النقد الدولي من أن تطبيق هذه الرسوم الجمركية يشكل “خطراً كبيراً” على الاقتصاد العالمي، لا سيما بعد موجة البيع الجماعي في الأسواق العالمية. وقالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق، إن على الولايات المتحدة وشركائها التجاريين تجنّب مزيد من التصعيد في هذه الحرب التجارية، التي باتت تهدد الاستقرار العالمي.

وتوقّع الصندوق أن يؤدي استمرار هذه السياسات إلى انخفاض التجارة العالمية بنسبة تصل إلى 10 في المئة، وخسائر في الناتج المحلي الإجمالي بمئات المليارات من الدولارات. أما وكالة “موديز”، فذهبت أبعد من ذلك، متوقعة ركوداً اقتصادياً وارتفاعاً في معدل البطالة إلى 7.5 في المئة.

وحذّر فريق الاقتصاد الأوروبي في “غولدمان ساكس” من أن الرسوم الجديدة كانت أعلى مما هو متوقع، خصوصاً في أوروبا وآسيا، مشيراً إلى أن حدة الخطاب الأميركي تُنذر بتصعيد كبير في التوترات التجارية، ما يفتح الباب أمام سيناريو “ركود تقني” عالمي.

والأخطر أن هذه السياسات تُطبَّق في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي من عجز مالي هائل وديون عامة تتجاوز 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (36 تريليون دولار)، ما يحدّ من قدرة الحكومة على التدخل السريع في حال اندلاع أزمة. وفي ظل بقاء التضخم مرتفعاً، تصبح تحرّكات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مقيدة، وهو ما يعقّد إدارة أي أزمة مالية مقبلة.

مستقبل غامض.. وعالم على حافة الانقسام

لا يمكن الجزم حتى الآن بما إذا كانت سياسات ترامب ستُحقّق أهدافها المعلنة، لكن المؤكد أنها تُهدد بإغراق العالم في موجة جديدة من التوترات والانقسامات، وربما تقوّض النظام التجاري الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية. وفي حال استمرت هذه الاجراءات، فإنها قد تُعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وتُضعف من مكانة الولايات المتحدة كقائدة لهذا النظام.

والأخطر أن المستفيد الأكبر من هذه الفوضى قد لا يكون الاقتصاد الأميركي، بل منافسون استراتيجيون كالصين، التي قد تجد في هذا المناخ المضطرب فرصة لتعزيز نفوذها من خلال شراكات اقتصادية جديدة، بعيداً عن قبضة واشنطن.

شارك المقال