لبنان بين شبح الحرب والتعافي: الأمن مفتاح النهوض الاقتصادي

سوليكا علاء الدين
لبنان يواجه خطر تجدد الحرب، حيث ترفع الضغوط الداخلية والخارجية من حدة عدم اليقين وتؤثر سلباً على استقرار البلاد
لبنان يواجه خطر تجدد الحرب، حيث ترفع الضغوط الداخلية والخارجية من حدة عدم اليقين وتؤثر سلباً على استقرار البلاد

على الرغم من مرور أكثر من خمسة أشهر على وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، إلا أن شبح تجدد الحرب لا يزال يهيمن على لبنان، في ظل استمرار الضربات الاسرائيلية وتصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وما ينجم عنها من مخاطر ترفع من درجة عدم اليقين وتؤثر سلباً على استقرار البلاد. ويتزامن هذا المناخ الضبابي مع ارتفاع الأصوات الدولية والعربية المطالبة بضرورة بسط الدولة سيادتها المطلقة على أراضيها كافة وحصر القرار الأمني بيدها عبر تطبيق القرار الدولي 1701، ما يضع الحكومة اللبنانية تحت ضغوط داخلية وخارجية متزايدة.

وتساهم هذه التحديات في تعميق الانقسامات السياسية القائمة وتوسيع نطاقها، ما يعوق البدء بتنفيذ الاصلاحات المالية والاقتصادية الهيكلية الحيوية، ويؤدي إلى تعطيل مسارات التعافي الاقتصادي. بالاضافة إلى ذلك، تفرض هذه الأوضاع الأمنية قيوداً كبيرة على قدرة لبنان على استقطاب الاستثمارات الحيوية والدعم المالي الضروري لإنعاش اقتصاده المتدهور وإعادة الإعمار، وتقوّض أي محاولات جادة لاستعادة الثقة بلبنان على المستويين الداخلي والخارجي.

تكلفة مُنهكة

يُظهر تقييم أجراه البنك الدولي حجم الاحتياجات الهائلة للبنان لإعادة الإعمار والتعافي من آثار الصراع، بحيث تصل إلى نحو 11 مليار دولار أميركي. ويتطلب هذا الجهد توفير تمويل عام يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، بالاضافة إلى ضرورة تأمين تمويل من القطاع الخاص يُقدّر ما بين 6 و8 مليارات دولار. ومع تقدير التكلفة الاقتصادية الإجمالية للصراع بنحو 14 مليار دولار (تشمل 6.8 مليارات كأضرار مادية مباشرة و7.2 مليارات كخسائر اقتصادية إضافية)، يتضح عدم قدرة مؤسسات الدولة على تحمل هذه الأعباء بمفردها، ما يستوجب التوجه العاجل الى طلب الدعم المالي من الدول العربية والمجتمع الدولي.

دعم مشروط

مما لا شك فيه أن لبنان في أمس الحاجة إلى الدعم الدولي والعربي، خصوصاً لإعادة بناء اقتصاده والنهوض بعملية الإعمار. ومع ذلك، فإن أي مساعدة أو مساهمة في إعادة الإعمار، كما حدث في الحروب الماضية تحديداً عام 2006، ستظل مرهونة بتنفيذ إصلاحات مالية ومؤسسية تضمن الشفافية ومكافحة الفساد، وأبرزها إصلاح القطاع المصرفي، فضلاً عن أن العديد من الجهات المانحة يربط تقديم مساعداته بتوصل لبنان إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. فعلى سبيل المثال، أكدت المفوضية الأوروبية لشؤون المتوسط أن صرف مبلغ 500 مليون يورو من المساعدات الأوروبية المخصصة للبنان مشروط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وذلك بعد أكثر من خمس سنوات من الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بالبلاد. يُذكر أن هذا المبلغ يشكل جزءاً من اتفاقية تم توقيعها في أيار 2024 بقيمة مليار يورو، تهدف إلى الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية إلى دول الاتحاد الأوروبي مقابل تقديم دعم اقتصادي للبنان.

طريق الاصلاح والاتفاق

ويستأنف لبنان مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي وسط آمال كبيرة بالتوصل إلى اتفاق جديد يرتكز على تعهد حقيقي بتنفيذ الاصلاحات الضرورية، خصوصاً في ظل الحاجة الماسة الى إعادة الإعمار. وأكّد الصندوق أن استفادة لبنان من البرنامج تتطلب استراتيجية شاملة لإنعاش اقتصاده، مع إيلاء أهمية قصوى للاستدامة المالية والدين، وإعادة هيكلة القطاع المالي، بالاضافة إلى إصلاحات الحوكمة والمؤسسات الحكومية.

وفي هذا السياق، تُشير بعض المعلومات إلى أن وفد صندوق النقد الدولي أبلغ المسؤولين اللبنانيين أن فترة التعاون مع لبنان محدودة حتى أواخر نيسان المقبل، وأنه لا يمكن للصندوق الانتظار طويلاً لإنجاز لبنان ما هو مطلوب منه. كما تشدد جهات أميركية على ضرورة إنجاز الإصلاحات في الإطار الزمني المحدد للحصول على المساعدات، مع التأكيد أن التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد يمثل ضرورة حتمية لحل الأزمة الراهنة.

وبناءً على ذلك، يشكل عامل الوقت تحدياً حقيقياً أمام لبنان، إذ لا يمكنه تحمّل المزيد من التأخير في تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية المطلوبة. وعليه، فإن استمرار حالة التصعيد الأمني قد يشكل عائقاً أمام إحراز تقدم ملموس في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، ما قد يصعّب من إتمام الاتفاق المنشود، خصوصاً وأن المؤسسات الدولية تولي الاستقرار الأمني أهمية قصوى عند تقديم أي دعم مالي محتمل.

الاستثمار والاستقرار

لا شك في أن توفير بيئة آمنة ومستقرة يمثل شرطاً أساسياً لعودة الاستثمارات العربية والأجنبية إلى لبنان، فالاستقرار هو العامل الرئيسي لتدفق رؤوس الأموال من مختلف المصادر، إذ لن يقدم أي مستثمر على ضخ أمواله في بلد يرزح تحت وطأة تصعيد أمني مستمر وتقلبات محفوفة بالمخاطر. وبالتالي، يؤدي تراجع تدفق الاستثمارات إلى تأجيل المشاريع التنموية، وتفاقم أزمة البطالة، وإلحاق الضرر بقطاع الأعمال برمّته. لذا، فإن لبنان في حاجة ملحة إلى تحقيق استقرار أمني، بالتوازي مع تنفيذ مسار إصلاحي شامل على الأصعدة السياسية والاقتصادية والمالية، بهدف خلق بيئة مناسبة لتحفيز عودة الاستثمارات والمستثمرين.

السياحة في مهب الأمن

لطالما شكّل القطاع السياحي عصب الاقتصاد اللبناني، إلا أنه تعرّض لانتكاسة وأضرار كبيرة جراء حرب أيلول الأخيرة. وقد أعادت الضربات الأخيرة إحياء شبح الخوف والقلق، وزادت من الشكوك حول قدرة لبنان واستعداده لاستقبال الموسم السياحي. ففي ظل استمرار التدهور الأمني، قد يقتصر النشاط السياحي في الصيف المقبل على المغتربين فقط، ما يحرم الاقتصاد من تدفق السياح العرب والأجانب الذين قد يستبعدون لبنان من خريطة وجهاتهم. هذا السيناريو يُنذر بتراجع حاد في تحويلات المغتربين وإيرادات القطاع السياحي، ما يعمّق الأزمة الاقتصادية بفقدان مورد مادي حيوي يعزز استقرار البلاد. وبالتالي، فإن تحقيق استقرار أمني وسياسي راسخ يعد شرطاً أساسياً لإنعاش القطاع السياحي وإعادة الحيوية الى الاقتصاد الوطني.

الأمن والاقتصاد

يشكّل التصعيد الأمني الأخير عقبة خطيرة أمام أي مسعى لتعافي لبنان، حيث يعرقل بصورة كبيرة قدرة الحكومة على المضي قدماً في تنفيذ خططها الاصلاحية وإبرام الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي والحصول على الدعم المالي المنتظر. وفي ظل حالة عدم اليقين هذه، تصبح استعادة الاستقرار الأمني أولوية ملحة لا تحتمل التأجيل، فهو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة بلبنان وفتح آفاق التعافي الاقتصادي المُنتظر. إذ لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي من دون استقرار أمني متين، يفتح الباب لعودة رؤوس الأموال والاستثمارات والهبات، ويعيد لبنان إلى خريطة الاقتصاد العربي والعالمي.

شارك المقال