السعودية ترسّخ شراكة القرن الاقتصادية مع أميركا

هدى علاء الدين

شكّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة العربية السعودية محطة مفصلية في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ليس من حيث حجم الاتفاقيات المبرمة خلالها وحسب، بل أيضاً من حيث دلالاتها الاستراتيجية العميقة. فاختيار ترامب للرياض كأول وجهة خارجية له منذ تولّيه الرئاسة في كانون الثاني لم يكن محض صدفة ديبلوماسية أو مجاملة بروتوكولية، بل قرار مدروس ينطوي على أبعاد اقتصادية واستراتيجية بالغة الدقة، تعبّر عن نهج أميركي جديد في تعظيم العائد من الشراكات الاقليمية.

ورافق الرئيس ترامب وفد رفيع من قادة الأعمال الأميركيين، ضمّ نخبة من أبرز الشخصيات الاقتصادية مثل إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة “تسلا”، ولاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة “بلاك روك”، وجين فريزر الرئيسة التنفيذية لـ”سيتي غروب”، إلى جانب وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث. ويعكس هذا الحضور المكثّف الطابع الاقتصادي المحوري للزيارة، ويُبرز استعداد واشنطن للانخراط بعمق في تحالف اقتصادي واسع مع الرياض.

صفقات استراتيجية تعكس عمق الشراكة الاقتصادية

في صلب الزيارة، وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي “وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية”، وأعرب ترامب خلال الاجتماع الثنائي عن ثقته المتبادلة قائلاً: “أعتقد حقاً أننا نُكنّ الكثير من الود لبعضنا البعض”. وأضاف: “إن زيارة السعودية ستُسهم في إضافة أكثر من تريليون دولار من الاستثمارات إلى الاقتصاد الأميركي، من خلال صفقات تجارية كبرى متوقعة مع عدد من الشركات العملاقة، من بينها أمازون وأوراكل وغيرها”.

بدوره، تعهّد ولي العهد باستثمار نحو 600 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي، في مؤشر واضح إلى متانة العلاقة الاقتصادية الاستراتيجية بين البلدين. وقال: “سنواصل العمل في الأشهر القادمة على المرحلة الثانية من هذه الصفقات لرفعها إلى تريليون دولار”. وتضمنت هذه الاستثمارات توقيع أكبر صفقة دفاعية في تاريخ العلاقات الثنائية، بقيمة 142 مليار دولار، إلى جانب اتفاقيات واسعة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والطيران. وقد مازح ترامب قائلاً: “تريليون دولار سيكون أفضل”، في تعبير رمزي عن طموحه في توسيع نطاق التعاون الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح البيت الأبيض أن الاتفاقيات تشمل صادرات توربينات غاز وحلول طاقة من شركة “جنرال إلكتريك” بقيمة 14.2 مليار دولار، وطائرات من طراز “بوينغ 737-8” بقيمة 4.8 مليارات دولار. وتترجم هذه الصفقات، بما تحمله من أرقام ضخمة، بوضوح الأهمية الاقتصادية المتزايدة للمملكة كشريك استثماري محوري للولايات المتحدة.

وفي تطور لافت، أعلنت شركتا “إنفيديا” الأميركية و”هيومين” السعودية، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، عن شراكة جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. وتهدف هذه الشراكة إلى تعزيز موقع المملكة كمركز إقليمي وعالمي في التقنيات المتقدمة، من خلال استثمارات ضخمة في وحدات معالجة الرسوميات والبنية التحتية الرقمية، وهو ما يعكس التحوّل الاقتصادي السعودي نحو اقتصاد المعرفة والابتكار. وقال الرئيس التنفيذي للشركة جينسن هوانغ إن “إنفيديا” ستبيع أكثر من 18 ألف رقاقة ذكاء اصطناعي حديثة لـ “هيومين”.

كما شملت الاتفاقات بين الجانبين مجالات الطاقة، التعاون الجمركي، والدفاع، بما في ذلك تعزيز القدرات الصحية للقوات المسلحة السعودية، وتطوير مجالات الذخيرة، التدريب، والإسناد الفني للحرس الوطني. وتم توقيع اتفاقية لتنفيذ مشروع “كيوب سات” ضمن مهمة “أرتميس 2” لرصد الطقس الفضائي. وتضمنت الاتفاقات أيضاً مذكرات تعاون في قطاعات التعدين، البحوث الطبية الخاصة بالأمراض المعدية، التعاون القضائي، النقل الجوي، إضافة إلى شراكات ثقافية وبيئية بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا ومؤسسة “سميثسونيان” الأميركية.

تحولات اقتصادية وانفتاح استثماري غير مسبوق

وفي منتدى الاستثمار السعودي-الأميركي الذي أقيم تزامناً مع زيارة ترامب، أكّد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح أن التحولات الاقتصادية العالمية، مدفوعة بالتغيرات التكنولوجية والجيوسياسية، تفتح آفاقاً جديدة لتعميق التعاون الاستراتيجي بين البلدين. أما وزير المالية محمد الجدعان، فوصف حجم الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة بأنه “مذهل”، مؤكداً أنه يعكس مستوى الثقة المتبادل والاندماج العميق بين الاقتصادين.

وأشار لاري فينك إلى التحوّل البنيوي الذي تشهده السعودية، قائلاً إن المملكة انتقلت من كونها مصدّراً تقليدياً لرؤوس الأموال إلى أن أصبحت وجهة جاذبة للاستثمارات العالمية، بحيث بات العديد من الشركات يتخذ منها مقراً إقليمياً رئيسياً. وبدوره، كشف ستيفن شوارزمان، الرئيس التنفيذي لـ”بلاكستون”، عن تحقيق عائد استثماري بلغ 17.5 في المئة على استثمارات البنية التحتية في السعودية، متجاوزاً التوقعات الأولية بكثير.

أما وزير الاتصالات عبد الله السواحة، فأوضح أن الاستثمارات الأميركية في السعودية تجاوزت 13 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، في مؤشر إضافي على تصاعد الثقة الدولية في بيئة الأعمال السعودية، وعلى قدرة المملكة على استقطاب رؤوس الأموال النوعية في قطاعات المستقبل.

قوة إقليمية اقتصادية ووجهة استثمارية عالمية

تسعى المملكة ضمن سياق “رؤية 2030″، إلى ترسيخ موقعها كقوة اقتصادية إقليمية طموحة، عبر تنويع مصادر الدخل الوطني، وتقوية القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية النوعية. وتأتي زيارة ترامب لتشكّل فرصة استراتيجية لترسيخ هذا التوجه، ولإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة على أسس جديدة ترتكز على المصالح المشتركة، والتكامل في مجالات التقنية والصناعة والطاقة.

و تسعى الإدارة الأميركية من جهتها إلى تعظيم المكاسب التجارية عبر تعزيز تحالفاتها مع القوى الاقتصادية الصاعدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمها السعودية، التي باتت تلعب دوراً مركزياً في هندسة التوازنات الاقتصادية الاقليمية والدولية.

رسائل اقتصادية وتحولات في خرائط الاستثمار

اقتصادياً، تحمل زيارة ترامب إشارات طمأنة قوية للأسواق الدولية والاقليمية، بأن السعودية تُعد مركز ثقل اقتصادي يُعتمد عليه في استقرار المنطقة. ويُتوقع للتحالف الاقتصادي الأميركي-السعودي أن يكون أحد المرتكزات الجديدة لإعادة تشكيل موازين أسواق الطاقة، والاستثمار، والتكنولوجيا، في ظل تصاعد التحديات الجيوسياسية العالمية.

كما تؤكد الزيارة إدراك واشنطن المتزايد لدور المملكة كقوة استثمارية قادرة على التأثير في سلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة، واتجاهات الابتكار، في وقت تتطلع فيه الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق نفوذها الاقتصادي خارج حدودها التقليدية.

باختصار، تمثل زيارة ترامب إلى السعودية أكثر من مجرد زيارة رسمية؛ إنها محطة اقتصادية محورية، تكرّس شراكة استراتيجية واعدة بين قوتين تسعيان إلى إعادة صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي من خلال الاستثمار، الابتكار والتحالفات الذكية.

شارك المقال