في خضم التحولات الايجابية التي يشهدها الاقتصاد اللبناني، تلوح في الأفق بشائر انتعاش حقيقي تعيد إلى الواجهة قطاعات عانت طويلاً من الإهمال والانكماش. ويبدو أن السياحة، كرافعة أساسية للنمو، استعادت بريقها المفقود، وباتت ترسم ملامح مشهدٍ جديد طال انتظاره. ومن بين مؤشرات هذا التعافي، يبرز الزخم الواضح في حركة الفنادق، التي تسجل حجوزات تلامس مستوياتها التاريخية مع اقتراب الصيف، في وقت بدأت فيه الشوارع والمقاهي والمطاعم تضج من جديد بضحكات الزوار العرب وعودة المغتربين، في لوحة كانت بعيدة المنال خلال الأعوام الأخيرة.
لكن اللافت اليوم هو دخول قطاع تأجير السيارات على خط النهوض، بعد فترة ركود ثقيل فرضتها الأزمات المتلاحقة، من الانهيار المالي إلى تداعيات الحرب، ما أدى إلى شلل شبه تام في هذا القطاع الحيوي. فبعدما كان يشكل أحد أذرع السياحة النشطة، انكمشت حركته إلى ما لا يزيد عن 10% من قدرته التشغيلية، وتراجع عدد السيارات المتوافرة لديه إلى النصف تقريباً، ما أفرغه من مضمونه وهدد استمراريته.
في العام 2019، كان المشهد مختلفاً تماماً، بحيث ضمت السوق اللبنانية ما يقارب 325 شركة متخصصة في تأجير السيارات السياحية، عملت وفق تنظيم واضح وطلب مستمر. أما اليوم، وبعد سنوات من الانحدار، فتشهد هذه الشركات بوادر عودة، مدفوعة بالأمل وبتزايد الطلب مع عودة السياح وحاجة السوق إلى خدمات نقل مريحة وموثوقة.
وبينما يستعيد هذا القطاع موقعه تدريجياً، يتطلب النهوض الكامل به دعماً رسمياً، وخطة نهوض تواكب التحولات في السوق السياحية، من خلال تسهيلات جمركية، وتحديث القوانين الناظمة، وتأمين بيئة تنافسية تضمن الجودة وتحمي المستثمرين.
تراجع الأسطول
يعاني قطاع تأجير السيارات في لبنان من تراجع أسطوله بنسبة 60% منذ 2019، مع وجود 30% من السيارات القديمة التي يجب سحبها قانونياً، لكن تأجيل التنفيذ ساعد الشركات على الاستمرار. وتواجه الشركات صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع تكاليف الصيانة وأسعار التأجير المنخفضة، على الرغم من التوقعات بعودة العمل إلى 80-90% في الصيف مع قدوم السياح. ومع استمرار الأوضاع الأمنية غير المستقرة خصوصاً في الجنوب، يبقى السؤال: كيف سيكون أداء هذا القطاع فعلياً مع انطلاقة الموسم الصيفي؟
محمد سعيد، مدير إحدى شركات تأجير السيارات في بيروت، أكد في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن قطاع تأجير السيارات يعيش اليوم مرحلة يقظة بعد سنوات من التحديات والأزمات المتتالية، موضحاً أن “قطاع تأجير السيارات كان من أوائل القطاعات التي تلقت الضربة الموجعة خلال الانهيار الاقتصادي وتراجع السياحة وجائحة كورونا، وصولاً إلى تداعيات الحرب على غزة التي أثرت على المنطقة بأكملها”.
وقال: “في مرحلة ما، كنا نعمل بنسبة لا تتجاوز 10% من قدرتنا التشغيلية، وتقلّص أسطول السيارات إلى النصف تقريباً بسبب ارتفاع تكاليف الصيانة واستيراد السيارات وغياب الطلب”. وأشار إلى أن “الوضع بدأ يتحسن تدريجياً مع تشكّل الحكومة الجديدة وبروز مؤشرات شبه استقرار سياسي، بحيث نلمس عودة تدريجية للثقة في السوق، خصوصاً مع اقتراب موسم الصيف وعيد الأضحى”.
ولفت الى أن “الحجوزات ارتفعت بصورة مشجّعة، مع إشارات واضحة الى عودة السياح العرب، لا سيما من دول الخليج، ما انعكس إيجاباً على نسبة إشغال السيارات التي تجاوزت 65% في حزيران، وهي نسبة لم نرها منذ 2018”.
وحول التحديات القائمة، رأى سعيد أن “القطاع لا يزال يواجه صعوبات مثل ارتفاع كلفة التأمين وأسعار الصيانة، وتقلب سعر صرف الدولار، لكننا متفائلون”، داعياً الدولة إلى “تقديم سياسات داعمة، مثل الإعفاءات الجمركية والتسهيلات المصرفية، لأن دور قطاع تأجير السيارات في تنشيط السياحة لا يقل أهمية عن أي مرفق سياحي آخر”.
وأمل سعيد في “أن تكون هذه العودة بداية فعلية لنهوض اقتصادي شامل في لبنان”، مشدداً على “أننا لا نريد موسماً سياحياً عابراً، بل دورة مستدامة تعيد الثقة بالبلد وتمنح المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فرصة للنهوض من جديد”.


