شكل مؤتمر “إعادة بناء لبنان: إطار الاستثمار وفرص الأعمال وحل النزاعات” نقطة مهمة لتأكيد وجود إرادة سياسية واقتصادية حقيقية لاستعادة دور الدولة وتقوية ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، بعدما تقوّضت بفعل الأزمات المتكررة. فقد جاء انعقاد المؤتمر في وقت يمر فيه لبنان بتحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة وضغوط سياسية وأمنية معقدة، ليكون بمثابة محاولة جادة لترتيب أولويات لبنان من جديد، ورغبة في تنفيذ إصلاحات مهمة تلبي تطلعات المجتمع الدولي والمواطنين اللبنانيين معاً.
رسائل سياسية ومحاور إصلاحية
قدّم المؤتمر عبر كلمة رئيس الحكومة نواف سلام رؤية متكاملة للإصلاحات المقترحة ورسائل متعددة الجوانب، التي تشمل أبعاداً إدارية ومالية وتقنية واجتماعية:
- أولوية الأمن كشرط للنهوض الاقتصادي: لم تكن إشارات سلام إلى الوضع الأمني في الجنوب وفي مطار رفيق الحريري الدولي مجرد تفاصيل جانبية، بل جاءت لترسيخ معادلة أن الاستثمار لا يمكن أن ينمو في ظل هشاشة أمنية أو فراغ سيادي. فالربط الصريح بين الأمن والاستثمار يعكس إدراكاً بأن لا تنمية اقتصادية ممكنة من دون استعادة السيطرة على المرافق الحيوية والحدود، وحماية البنية التحتية من التهديدات.
- الاصلاح الاداري والمالي: تعهدت الحكومة باتباع معايير الشفافية في جميع التعيينات الادارية لضمان توظيف الكفاءات المناسبة والحد من المحسوبية. أما على الصعيد المالي، فقد تم التركيز على إعداد تشريعات عاجلة لحماية حقوق المودعين المتضررين من الأزمة المصرفية، وتطبيق سياسات تضمن مساءلة عادلة وشاملة للقطاع المصرفي، وإعادة دمج لبنان بالنظام المصرفي العالمي الذي لم يعد خياراً بل ضرورة لاستعادة الثقة وفتح أبواب التمويل والاستثمار.
- التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي: مثل الإعلان عن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة قفزة نوعية نحو حوكمة ذكية. وتسعى هذه الخطوة إلى رقمنة السجلات العامة وتوفير الهوية الرقمية، ما يعزز كفاءة الادارة، ويقلل البيروقراطية، ويحد من فرص الفساد بصورة كبيرة. ويعد التحول الرقمي في حال نجح لبنان في تطبيقه محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي.
- البعد الاجتماعي والثقافي: لم يغفل رئيس الحكومة أهمية التنمية البشرية والاجتماعية. فالتركيز على ترميم المكتبات والمنشآت الرياضية يعكس رؤية شاملة للتنمية تتجاوز الجانب الاقتصادي لتشمل بناء مجتمع سليم. كما تم تأكيد العمل على تقوية شبكة الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات للفئات المهمّشة، بدءاً من تأمين التمويل الاضافي لبرنامج “أمان” الذي يخدم أكثر من 1800 شخص من المتضرّرين.
- تعزيز استقلالية القضاء والحوكمة: أكد رئيس الحكومة أن القضاء المستقل والنزيه يشكل حجر الزاوية لجذب الاستثمارات وحمايتها. فالعدالة القانونية هي الضامن الأول لتطبيق القانون وحماية حقوق المستثمرين، ما يعزز اليقين القانوني. كما أن تحويل بيروت إلى مركز إقليمي للتحكيم يعزز مكانة لبنان كوجهة متميزة للتعاملات التجارية الدولية، بهدف إعادة تعريف لبنان من بلد تنشأ فيه النزاعات إلى بلد تُحَل فيه النزاعات سلمياً.
الطاولة المستديرة: إطلاق مشروع الدعم الطارئ
توازياً، شكّلت الطاولة المستديرة حول مشروع الدعم الطارئ للبنان (LEAP) التي عُقدت برئاسة الرئيس سلام في السراي الكبير، تتويجاً لمسار تعبئة الدعم الدولي للاستجابة لأضرار العدوان الاسرائيلي الأخير. المشروع يمثل الإطار الوطني الموحد للتعافي، وقد رُصدت له ميزانية مبدئية قدرها مليار دولار، يُخصص منها قرض أولي من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار للاستجابة الفورية واستعادة الخدمات الأساسية.
وأكد اللقاء أن هذا الدعم لا يُراد به أن يكون مساعدات عشوائية، بل شراكة منظمة بقيادة لبنانية وتنفيذ مؤسساتي، خصوصاً من خلال مجلس الإنماء والإعمار الذي أُعيد تفعيله بصلاحيات موسعة. كما شددت الحكومة على أن نجاح المشروع لا يُقاس بالتمويل وحده، بل بإعادة بناء الثقة بالمؤسسات. من هنا، استُعرضت الاصلاحات المالية والادارية المنفذة خلال المئة يوم الأولى من عمل الحكومة، إلى جانب التشديد على أهمية توجيه الدعم نحو مشاريع تنموية بعيدة المدى، وفق خطة ثلاثية المراحل: استجابة فورية، استعادة خدمات، ثم إعادة إعمار مستدامة تراعي المناخ والعدالة الاجتماعية.
ربط الدعم بالإصلاح: التقاء المسارين
على الرغم من اختلاف طبيعتهما التقى المؤتمر والطاولة المستديرة في نقطة مركزية ألا وهي ضرورة تلازم الدعم الدولي مع إصلاحات حقيقية. فلبنان لا يسعى إلى تمويل عاجل لإعادة الإعمار وحسب، بل إلى شراكة استراتيجية تنقله من دوامة الأزمات إلى مرحلة الاستقرار والتنمية المستدامة.
وعليه، فإن العودة إلى خريطة الاقتصاد الاقليمي والدولي لن تتم إلا من خلال خريطة طريق واضحة، تقودها الدولة، وتستند إلى الشفافية والفعالية والمؤسسات القوية. من هنا، فإن مستقبل لبنان الاقتصادي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الحكومة على الدمج بين سيادة الدولة المطلقة، والاستقرار السياسي الدائم، وتسريع عجلة الاصلاح والنهوص.


