تصعيد إيران وإسرائيل يربك الأسواق ويهدد بسيناريوهات قاتمة

هدى علاء الدين

تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحل التصعيد العسكري في تاريخها الحديث، مع انزلاق العلاقة بين إسرائيل وإيران إلى مواجهة مباشرة تتجاوز المعادلات التقليدية للحروب بالوكالة. فالغارات الاسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية، وما تبعها من ردود إيرانية بطائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، دفعت المشهد الاقليمي إلى حافة الانفجار، ما أثار سلسلة من التفاعلات الحادة في الأسواق العالمية، وفتح الباب أمام سيناريوهات اقتصادية تتراوح بين الانكماش المحدود والانهيار الشامل.

صدمة أسعار النفط

من أبرز التداعيات الأولية للتصعيد، تلك التي شهدها قطاع الطاقة، حيث قفزت أسعار النفط فور اندلاع الضربات إلى مستويات تجاوزت 78 دولاراً لخام برنت، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى ما دون 75 دولاراً، لكنها بقيت أعلى بنحو 10 دولارات عن مستويات ما قبل الأزمة. وجاءت هذه القفزة مدفوعة بما يعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية”، إذ يخشى المستثمرون أن تؤدي الحرب إلى تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز – شريان حيوي تمرّ عبره نحو 30 في المئة من تجارة النفط العالمية.

ويوم الاثنين، ارتفع خام برنت بما يصل إلى 5.5 في المئة قبل أن يقلّص بعض مكاسبه، ليتداول فوق 76 دولاراً للبرميل، فيما اقترب خام غرب تكساس الأميركي من 75 دولاراً. وعلى الرغم من أن هذه الأسعار لا تزال بعيدة عن ذروة عام 2022 حين تجاوز الخام 130 دولاراً للبرميل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن المسار المستقبلي مرهون بمدى توسع الأزمة الراهنة.

وفي حال لم تتأثر صادرات النفط الايرانية – المقدّرة بنحو 3.3 ملايين برميل يومياً، منها 1.7 مليون برميل للتصدير – فمن المتوقع أن تتراوح الأسعار بين 65 و70 دولاراً على المدى القصير. أما إذا تم فرض قيود على الملاحة أو تطورت الأعمال العسكرية إلى استهداف مباشر للبنى التحتية، فإن الأسعار قد ترتفع إلى ما فوق 80 دولاراً، مع احتمالات ببلوغ 120 دولاراً للبرميل إذا تعطلت الملاحة في مضيق هرمز، وهو السيناريو الأخطر والذي قد يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية مؤقتاً، الأمر الذي سيُنعش شبح التضخم ويُربك استراتيجيات البنوك المركزية، ويهدد استقرار الاقتصادات المستوردة للطاقة، خصوصاً في آسيا وأوروبا.

التضخم وصعوبة التيسير النقدي

يأتي ارتفاع أسعار الطاقة في توقيت بالغ الحساسية، بحيث كانت مؤشرات التضخم قد بدأت بالاعتدال في الاقتصادات المتقدمة، مدفوعة بتراجع تدريجي في أسعار السلع والخدمات. إلا أن صدمة أسعار النفط والغاز تنذر بعكس هذا الاتجاه، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث أظهرت بيانات الاحتياطي الفيدرالي استمرار الضغوط التضخمية في قطاعات عدة على الرغم من التباطؤ في سوق العمل.

وفي حال استدامة ارتفاع الأسعار، فإن ذلك قد يُجبر البنوك المركزية على تأجيل خطط خفض الفائدة، أو حتى التريث في تنفيذ جولات جديدة من التيسير النقدي. وتشير التوقعات الحالية إلى أن أول خفض للفائدة الأميركية قد لا يتم قبل الربع الأخير من العام 2025، وبمقدار محدود لا يتجاوز 50 نقطة أساس، ما يضعف من قدرة الأسواق الناشئة على امتصاص الصدمات التمويلية، في ظل استمرار قوة الدولار.

تهافت على الملاذات الآمنة

أبدت أسواق الأسهم العالمية رد فعل سريعاً تجاه التصعيد، مسجلة تراجعاً حاداً في معظم المؤشرات، بقيادة القطاعات الأكثر تأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، مثل الطاقة والصناعة والنقل. ومع اشتداد التوتر، تزايد الإقبال على الأصول الآمنة، إذ واصل الذهب ارتفاعه للجلسة الرابعة على التوالي، ليبلغ أعلى مستوياته في شهرين مسجلاً 3,442 دولاراً للأونصة يوم الاثنين. كما صعد الطلب على الدولار الأميركي، والين الياباني، وسندات الخزانة للدول المتقدمة، في مؤشر على اتساع حالة الحذر في الأسواق.

وعلى الرغم من أن السيولة العالية في الأسواق حالت دون انهيارات واسعة، فإن استمرار حالة عدم اليقين قد يقوّض ثقة المستثمرين، ويضغط على خطط التمويل والإقراض، خصوصاً في ظل ارتفاع هوامش التأمين على الديون السيادية (CDS) في عدة اقتصادات ناشئة معرضة للتقلبات الجيوسياسية.

سلاسل التوريد والتجارة العالمية

أي اضطراب كبير في مضيق هرمز لن يؤثر على الطاقة وحسب، بل على مجمل سلاسل التوريد العالمية. فالممر يُستخدم لنقل سلع استراتيجية تشمل المواد الخام، والبتروكيماويات، وقطع الغيار، إضافة إلى صادرات خليجية إلى آسيا وأوروبا. كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والشحن قد يُضيف أعباء تضخمية إضافية، ويرفع كلفة الإنتاج في القطاعات الصناعية.

وتُظهر التقديرات أن اختناقاً طويلاً في الإمدادات قد يقتطع ما بين 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية من نمو الاقتصاد العالمي في 2025، مع تفاوت حاد بين الدول وفقاً لدرجة اعتمادها على واردات الطاقة والممرات البحرية المستقرة.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

تترقّب الأسواق العالمية تداعيات التصعيد وسط سيناريوهات محتملة تتراوح بين احتواء سريع للأزمة وتصعيد طويل يربك الاقتصاد، وصولاً إلى خطر ركود عالمي في حال اندلاع حرب شاملة.

  1. سيناريو الاحتواء السريع: وفيه تُفضي جهود الوساطة الدولية إلى تهدئة سريعة، وتبقى الأضرار محدودة. في هذا الاطار، يتراجع النفط تدريجياً، وتتجاوز الأسواق الصدمة خلال أسابيع، وتُستأنف خطط السياسة النقدية بهدوء.
  2. سيناريو التوتر الطويل: حيث تستمر الضربات المتبادلة من دون حرب شاملة، في ظل صراعات بالوكالة واشتباكات إقليمية. يؤدي هذا السيناريو إلى ارتفاع أسعار الطاقة بصورة مزمنة، ويزيد من الضغط على سلاسل التوريد، ويغذي المخاوف التضخمية، ما يؤخر التعافي الاقتصادي العالمي.
  3. السيناريو الكارثي: حرب إقليمية شاملة تشمل إغلاق مضيق هرمز وتدمير بنى تحتية حيوية. في هذا السياق، يدخل العالم في أزمة طاقة شاملة، ويحدث اختلال واسع في التجارة، وتهوي الأسواق المالية، ويواجه الاقتصاد العالمي خطر الركود أو حتى الكساد.

اختبار قاس

في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي، تُعد الحرب الايرانية – الاسرائيلية اختباراً قاسياً لتوازنات السوق والنظام المالي الدولي. وعلى الرغم من أن السيناريو الكارثي ليس مرجّحاً في المدى القريب، فإن تسارع الأحداث من دون أفق ديبلوماسي واضح، يجعل من هذا النزاع عاملاً رئيسياً في تحديد مسار الاقتصاد العالمي خلال العامين المقبلين. وعليه، فإن عودة الاستقرار الجيوسياسي لم تعد خياراً، بل ضرورة لتفادي دوامة الركود التضخمي.

شارك المقال