بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة والانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، يقف لبنان في العام 2025 أمام فرصة نادرة لإعادة رسم مساره الاقتصادي والمالي. فقد أشار تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني – ربيع 2025 الصادر عن البنك الدولي، تحت عنوان “تغيير المسار”، إلى تحولات سياسية وأمنية قد تُشكّل أرضيةً لانطلاق إصلاحات طال انتظارها، وإن كانت محفوفة بالمخاطر في ظل هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية.
اقتصاد منكمش وأضرار جسيمة
على الرغم من المؤشرات الايجابية المتمثلة في إنهاء أكثر من عامين من الشلل السياسي بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة إصلاحية نالت ثقة البرلمان في شباط، وركزت في بيانها الوزاري على وقف التدهور الاقتصادي، وتعزيز الأمن الاجتماعي، ومكافحة الفساد، والتحضير لقانون انتخابي، بالاضافة إلى إقرار موازنة 2025 بموجب مرسوم وتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان – وهي خطوة اعتبرها البنك الدولي أساسية لاستعادة الثقة بالسياسة النقدية والمالية – لا يزال الواقع الاقتصادي في وضع حرج.
فقد شهد الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي انكماشاً بنسبة 7.1 في المئة في العام 2024، وفق التقديرات المُحدّثة، نتيجة تداعيات الصراع مع إسرائيل الذي اندلع في أيلول 2024، وأسفر عن نزوح أكثر من مليون شخص، وتكبيد الاقتصاد خسائر مباشرة تُقدّر بـ7.2 مليارات دولار، وأضرار مادية تُناهز 6.8 مليارات دولار، خصوصاً في قطاعَي الإسكان والبنية التحتية. وقد استأثرت قطاعات الزراعة، التجارة، والسياحة – التي يعتمد عليها العاملون في القطاع غير الرسمي وذوو الدخل المحدود – بـ77 في المئة من مجمل الخسائر الاقتصادية، ما عمّق معدلات الفقر والبطالة.
بصيص أمل في 2025.. بشروط
ويتوقع البنك الدولي على الرغم من التدهور الحاد، أن تُسهم خطط الإصلاح الحكومية، وانتعاش السياحة والاستهلاك، وتدفقات رأس المال – وإن كانت محدودة – المخصصة لإعادة الإعمار، في رفع النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي إلى 4.7 في المئة في العام 2025. ويعزز هذا النمو أيضاً “أثر القاعدة” الناتج عن الانكماش التراكمي للناتج بنسبة تقارب 40 في المئة خلال سنوات الأزمة.
ويُعزى ارتفاع الاستهلاك إلى تحسن ثقة المستهلك، ما يزيد الميل الهامشي الى الاستهلاك ويُضخّم أثر المضاعف الاقتصادي. ومن المتوقع استمرار هذا الزخم بدعم من التحويلات المالية، والايرادات السياحية، وتحسن النشاط الاقتصادي العام، شرط بقاء الاستقرار الأمني أو تحسنه.
وترتبط آفاق النمو ارتباطاً وثيقاً بفعالية تنفيذ الاصلاحات، من دون افتراض تسوية جذرية للاختلالات المالية والاقتصادية في ظل قصر ولاية الحكومة الحالية. وقد تُسهم تدفقات إعادة الإعمار في تعزيز النشاط الاقتصادي، وتوسيع القاعدة الرسمية للإنتاج، وتحفيز النمو. أما في حال تعثر الاصلاحات أو تدهور الوضع الأمني، فقد تتراجع التوقعات مجدداً. ويُشكّل القطاع المصرفي المتعثر أحد أبرز العوائق، ما يفرض ضرورة إعادة هيكلته وتعزيز ملاءته لتعزيز فعالية السياسات الاقتصادية وتحفيز الطلب الداخلي.
التضخم وسعر الصرف.. استقرار هش
يتوقع التقرير تراجع معدل التضخم إلى 15.2 في المئة في 2025، مقارنة بمستويات ثلاثية الرقم في السنوات الماضية، وذلك بفضل استقرار سعر الصرف منذ آب 2023 وتراجع الضغوط التضخمية العالمية. إلا أن البنك الدولي يُحذر من هشاشة هذا الاستقرار، في ظل استمرار الدولرة، واعتماد الاقتصاد على النقد الورقي، وضعف الحماية الاجتماعية.
ويُظهر التحليل أن الارتباط بين سعر الصرف والتضخم قد تراجع بفعل تثبيت العملة، لكن تأثيرات الاقتصاد النقدي غير الرسمي، وضعف الرقابة على الأسواق، لا تزال تؤدي إلى تقلبات سعرية غير متوقعة.
المالية العامة: موازنة متوازنة ولكن…
نجحت الحكومة في إقرار موازنة متوازنة لعام 2025، تبلغ فيها الايرادات والنفقات نحو 15.9 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ما مكّن من الاستمرار في تقديم الخدمات العامة وتفادي الانفاق العشوائي. إلا أن التقرير يُشير إلى أن الموازنة أُعدّت قبل اندلاع الصراع الأخير، ولا تعكس بالتالي التحديات المتصاعدة في ملفي إعادة الإعمار والإنفاق الاجتماعي والاستثماري.
كما تفتقر الموازنة إلى إصلاحات جوهرية على صعيد السياسة الضريبية، من بينها: توسيع القاعدة الضريبية، فرض ضرائب عادلة على المداخيل العقارية، إلغاء امتيازات الشركات القابضة والأوفشور، وتحديث ضريبة الأرباح.
الدين العام والمالية الخارجية: خطر مزمن
على الرغم من تراجع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى 176.5 في المئة في 2024، فإن هذا الانخفاض يُعزى إلى ارتفاع اسمي في الناتج المحلي، لا إلى تحسن فعلي في مؤشرات الدين. ولا يزال لبنان في حالة تعثر سيادي، فيما المفاوضات مع الدائنين لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة. وقد ارتفعت أسعار اليوروبوندز بأكثر من 50 في المئة بعد تشكيل الحكومة، إلا أن الأسواق لا تزال تُسعّر احتمال استرداد أقل من 20 في المئة من قيمة السندات، ما يعكس استمرار هشاشة الثقة.
أما على صعيد الحساب الجاري، فمن المتوقع تسجيل عجز نسبته 15.3 في المئة من الناتج المحلي في العام 2025، وهو تحسن نسبي عن 2024، ويعود أساساً إلى تعافي القطاع السياحي وارتفاع الناتج الاسمي، وليس إلى تحسّن فعلي في الصادرات أو الإنتاجية.
خطة إصلاحية لسنة واحدة: نافذة الفرصة الأخيرة
يُقدم البنك الدولي خطة إصلاحية لسنة واحدة، مستندة إلى خبراته السابقة في لبنان، ومرتكزة على ثلاث أولويات رئيسية:
- استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي.
- تعزيز الثقة من خلال الحوكمة الرشيدة وتحسين الخدمات العامة.
- تنمية رأس المال البشري وتوسيع الفرص الاقتصادية.
فرصة ذهبية في لحظة حرجة
يقف الاقتصاد اللبناني أمام مفترق طرق حاسم قد يرسم مستقبله لعقود مقبلة. فعلى الرغم من تشكيل حكومة إصلاحية وبوادر استقرار سياسي، تبقى الأزمة بنيوية بامتياز. فهي ليست خللاً مالياً أو نقدياً فحسب، بل انهيار لنموذج اقتصادي انهارت ركائزه، وتراجعت إنتاجيته، وتآكلت قدرته على خلق فرص العمل.
ويُعد فقدان الثقة بالمؤسسات، واتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي، وتآكل رأس المال البشري بفعل الهجرة، من أبرز التحديات. وعليه، لا يمكن النظر إلى تحسن النمو أو تراجع التضخم كمؤشرات تعافٍ ما لم يُواكب ذلك إصلاحات هيكلية تعيد إنتاج الاقتصاد وتُطلق دينامية جديدة للنمو المستدام.
كما أن التوترات الأمنية والجيوسياسية لا تزال تؤثر بصورة مباشرة على ثقة السوق وجاذبية الاستثمار، ما يتطلب رؤية اقتصادية متكاملة تعيد تعريف دور الدولة وتُعيد بناء نموذج إنتاجي عادل وشامل.
صحيح أن لبنان يقف أمام “فرصة تاريخية” للخروج من أزمته المزمنة، لكن الوقت ليس في صالحه: فكل تأخير في الإصلاح يُعمّق الانهيار، ويُفقد البلاد ما تبقى من الثقة والاستقرار.


