الاقتصاد اللبناني يبحث عن الأوكسجين في رأس المال الأجنبي

هدى علاء الدين

في خطوة تعكس تحسّناً نسبياً في النظرة الدولية إلى البيئة الاستثمارية اللبنانية، أظهر تقرير صادر عن مؤسسة “فيتش سوليوشنز” أن لبنان تقدّم في مؤشر مخاطر التجارة والاستثمار لعام 2025، محتلاً المرتبة 108 عالمياً من أصل 202 دولة، والمرتبة 11 إقليمياً بين أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وعلى الرغم من أن هذا التصنيف لا يضع لبنان في خانة الدول الجاذبة بعد، إلا أنه يبرز كإشارة أولى إلى إمكانات تعافٍ تدريجي في حال توافرت الشروط السياسية والاقتصادية الملائمة.

إشارات أولية للتحول

بحسب التقرير، جاء هذا التقدم مدفوعاً بجملة تطورات مفصلية، أبرزها اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في وقت سابق من هذا العام، ما خفّض منسوب التوترات الأمنية على الحدود الجنوبية، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة، في خطوة اعتُبرت ضرورية لإعادة تحريك عجلة الاصلاحات المتوقفة منذ سنوات.

كما ساهم تحسن العلاقة بين لبنان والمؤسسات الدولية – ولا سيما البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي، ودول الخليج – في منح بيروت هامشاً من الأمل، بحيث يترقّب المراقبون ترجمة هذه العلاقات إلى دعم مالي وفني يُسهم في إعادة هيكلة الاقتصاد وإنقاذ ما تبقى من القطاعات والخدمات الأساسية.

ثبات سياسي هش ومخاوف مزمنة

مع ذلك، لا يخفي التقرير تحفّظه إزاء استمرارية التحسن، مشيراً إلى أن البيئة السياسية لا تزال عرضة للاضطراب، واحتمال تجدّد التوترات الطائفية التي لطالما قوّضت فعالية الحكومات اللبنانية. ويؤكد التقرير أن غياب الاستقرار الداخلي البنيوي، وضعف التوافق الوطني حول أولويات الاصلاح، يمثلان خطراً حقيقياً على قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها، خصوصاً تلك المتعلقة باتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.

ميزات تنافسية قائمة

وفي الجانب الايجابي، يشير التقرير إلى أن لبنان لا يزال يحتفظ بعناصر جاذبة، على الرغم من عمق الانهيار المالي، منها:

  • اقتصاد ليبرالي منفتح على التجارة الدولية، من دون قيود كبيرة على حركة رؤوس الأموال.
  • اتفاقيات تجارية حرة مع عدد من الشركاء الأساسيين.
  • معدلات ضريبة منخفضة على الشركات تُقلّص الكلفة التشغيلية وتُغري بعض الاستثمارات، خصوصاً في القطاعات الرقمية والخدمية.

غير أن هذه الميزات تظل مقيّدة بجملة تحديات، منها:

  • الانهيار الحاد في سعر الصرف وفقدان الليرة لأكثر من 95 في المائة من قيمتها.
  • تدهور البنية التحتية وشبكات الطاقة، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويعيق الإنتاج.
  • استشراء الفساد والبيروقراطية، وهي من أبرز العوائق التي تؤرق المستثمرين الأجانب.

 

فرص مشروطة بالارادة السياسية

يتوقّع التقرير أن يفتح العامان 2025-2026 نافذة أمام فرص اقتصادية إذا نجحت الحكومة اللبنانية في:

  • إعادة بناء الثقة الدولية من خلال تنفيذ إصلاحات هيكلية ومكافحة الفساد.
  • الوصول إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد، ما يتيح تدفقات تمويل جديدة.
  • تعزيز بيئة الاستثمار في قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا، الرعاية الصحية، والطاقة المتجددة.

كما يمكن للبنان، وفق التقرير، أن يستفيد من موقعه الجغرافي، والعلاقات المتجددة مع الخليج وأوروبا، في حال تمكّن من تحسين مناخ الأعمال وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار السياسي.

مخاطر بنيوية باقية

في المقابل، يلفت التقرير إلى مجموعة من التهديدات التي تبقي لبنان ضمن خانة الأسواق عالية المخاطر:

  • الاعتماد المفرط على تحويلات المغتربين كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.
  • ضعف حماية الملكية الفكرية، ما يعوق استثمارات في الابتكار والصناعات الحساسة.
  • تآكل الثقة بالنظام المصرفي، حيث ما تزال نسبة كبيرة من الإيداعات مجمدة أو مهدّدة بفقدان قيمتها الحقيقية.

لماذا يعوّل لبنان على الاستثمار؟

يشكل الاستثمار ركيزة أساسية للنهوض الاقتصادي في لبنان، لا سيما في ظل التحديات الجسيمة التي تواجهها البلاد، من انهيار مالي حاد، وشح في مصادر التمويل المحلي، وتدهور النظام المصرفي. ويُعدّ الاستثمار الأجنبي المباشر مصدراً حيوياً للعملة الصعبة التي تحتاج اليها البلاد لتثبيت سعر الصرف وتمويل الواردات الضرورية، إلى جانب دوره الحيوي في تحفيز الدورة الاقتصادية عبر خلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الانتاج المحلي، وتحديث البنية التحتية المتداعية.

وفي هذا الاطار، تبرز الحاجة الملحة إلى الاستثمار كرافعة لا غنى عنها لتعزيز النمو وتحقيق الاستقرار المالي، إلا أن نجاح هذا المسار يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإجراء إصلاحات هيكلية عميقة تعزز بيئة الأعمال، وتكافح الفساد المستشري، وتوفر الاستقرار السياسي والأمني الذي يعيد بناء الثقة المحلية والدولية بلبنان، ليصبح بذلك الاستثمار قاعدة أساسية لجذب رؤوس الأموال اللازمة كما كان في العقود الماضية.

شارك المقال