الحكومة في إجازة والدولار يشتعل

اقتصاد 16 كانون الأول , 2021 - 12:03 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

لا شيء على حاله في لبنان منذ الزيارة الأخيرة للمبعوث الفرنسي المكلّف متابعة ملف الإصلاحات الاقتصادية السفير بيار دوكان إلا مسار الدولار التصاعدي الذي يحافظ على وتيرته الثابتة في الارتفاع في ظل تعطيل وجماد حكومي وانهيار اقتصادي يأخذ بسبب إضاعة الحلول عمداً، أبعاداً وانعكاسات خطيرة. دوكان الذي عاد إلى بيروت، في زيارة تضج بالاستطلاعات وتزخر بالجهود الحثيثة لاستكمال المساعي الفرنسية المتجددة علّها تمنح الرئيس الفرنسي نقطة رابحةً قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في نيسان المقبل، التقى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، مُستثنياً رئيس الجمهورية ميشال عون في خطوة رأى فيها كثيرون رسالة سياسية بامتياز على الرغم من تأكيده خلال استقباله الأسبوع الفائت الرئيس الجديد لبعثة الصندوق في لبنان ارنستو ريغو راميراز، التزام لبنان وضع خطة إصلاحية قابلة للتنفيذ والتعاون مع الصندوق من أجل إقرارها بسرعة من خلال المحادثات التي ستجرى بين الجانبين اللبناني والدولي.

إصلاحات ضائعة

يلعب لبنان في الوقت القاتل، متجاهلاً نداءات صندوق النقد الدولي من أجل بدء سلة من الإصلاحات المطلوبة بعدما أكّد أخيراً أن لا وجود لأي مساعدات أو دعم مالي قبل تنفيذها، وهو ما يدلّ صراحة على أن مشكلة لبنان الرئيسية اليوم تكمن في عدم قدرة حكومته على الإعلان عن أي خطة إصلاحية تحظى برضى الصندوق وتتوافر فيها الشروط اللازمة من أجل استعادة النهوض الاقتصادي.

وعلى الرغم من ملاحظة الموفد الفرنسي بيار دوكان، العديد من التطورات الايجابية ومنها استمرار المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي التي تسير بشكل جيد، وتشديده على ضرورة إرساء المبادئ العامة من أجل معالجة الازمة اللبنانية قبل التوصل إلى اتفاق مع الصندوق، تستبعد مصادر مطلعة لـ "لبنان الكبير"، أن يُصار إلى إنجاز الاتفاق مع الصندوق قبل موعد الانتخابات النيابية المقبلة، على الرغم من أن الاتفاق معه قد يفتح باب الحوار في شأن مشاريع مؤتمر "سيدر" بحسب ما ذكر دوكان، وذلك بسبب الشلل الحكومي المفروض الذي يمنع انعقاد جلساتها، مشيرة إلى أن الرئيس ميقاتي لن يدعو إلى جلسة من دون الحصول على موافقة مسبقة من الثنائي الشيعي الذي يتشدد في عدم التنازل عن مطالبه، لتضع هذه الأزمة مسار المفاوضات مع صندوق النقد على خطى شائكة، وتُطيح معه كلام رئيس الجمهورية الذي شدّد على إعطاء الأولوية للمسائل الاجتماعية والصحية ومواجهة حالات الفقر، والمضي في إصلاح البنى التحتية، متسائلة كيف لهذه الأولويات أن تُنفذ في ظل قرار ضمني بعدم إجراء الإصلاحات في الوقت الراهن، ليتم بذلك نسف كل المساعي التي تُبذل من أجل مساعدة لبنان على وضع برنامج متكامل يمكّنه من مواجهة أزمته المالية والاقتصادية، أم أن هذا الابتعاد عن أي توافق سياسي والتأخير في الاستفادة من إمكانات صندوق النقد التي سيضعها في تصرّف المسؤولين اللبنانيين فور إقرار وتنفيذ الخطة الاقتصادية الشاملة التي تُعيد الثقة للبنان واقتصاده قبل أن ينفد صبره هو قرار عن سابق إصرار وتصميم.

الدولار بلا سقف

على وقع هذه الزيارات والمناشدات الدولية، استمر سعر صرف الدولار في الارتفاع متجاوزاً للمرة الأولى منذ اندلاع أزمة انهيار الليرة حاجز الـ28000، غير آبه ببعض الأجواء الإيجابية التي تُبث هنا وهناك، متخذاً من الضبابية السياسية والاقتصادية سبباً رئيسياً وذريعة أساسية للقضاء على ما تبقى من قيمة العملة الوطنية التي باتت قاب قوسين من الوصول إلى مرحلة الانهيار التام. فحالة عدم القلق واليقين التي تعيشها الأسواق المالية بعدما فقدت السلطات النقدية سيطرتها الكاملة على الدولار ستُبقي على هذا الارتفاع الجنوني في سعره بعيداً من أي ضوابط تلجم مساره.

أما الحديث عن أسباب ارتفاع العملة الخضراء، فحتماً لم تعد خافية على أحد، في وقت يُجمع فيه الخبراء الاقتصاديون على أن تعميم مصرف لبنان الأخير الذي قضى بتعديل سعر صرف الدولار المصرفي من 3900 إلى 8000 ليرة لبنانية، سيُساهم بشكل مباشر وبالتزامن مع الاستمرار في سياسة الحلول الترقيعية وتعطيل العمل الحكومي، في ارتفاع جهنمي لا سقف له سينعكس كوارث معيشية واجتماعية وتضخمية ليس فقط حتى نهاية العام الجاري إنما إلى منتصف العام 2022 وربما أكثر.

إجازة قسرية

أعطت الحكومة لنفسها إجازة قسرية مانحةً بذلك الضوء الأخضر لاشتداد عصف الأزمة، بعد أن غرقت في المستنقعات السياسية على حساب الانصراف الكلي لحل الأزمة الاقتصادية والمالية والنقدية وما تبعها من أزمة اجتماعية ومعيشية. إجازة لا يمكن القول عنها إلا أنها مدفوعة الثمن انهياراً شاملاً ودولاراً صاعداً نحو مستويات تاريخية، بحيث لم يعد الغليان الذي يحاصر اللبنانيين يشفع أمام أي تنازلات داخلية، ولا يبدو أن هناك نيةً لإيقاظ الضمير الميت في بلد تتسابق فيه الجهات الخارجية والدول المانحة من أجل إنقاذه وتقديم المساعدات له، فيما حكّامه لا يُبالون وعاجزون حتى اليوم عن تقديم أي منفعة مالية أو اجتماعية تُخفف من عبء ما أصاب اللبنانيين في سنتين سيذكرهما التاريخ "بالانهيار المقصود".

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us