“بلومبرغ” تُقصي “صيرفة”… والعبرة في الادارة والأداء

سوليكا علاء الدين

بعد سلسة من المباحثات والمفاوضات الجديّة بين مصرف لبنان وكلّ من وكالتي “بلومبرغ” و”رويترز” العالميّتين، تمّ التوصّل إلى إتفاق يقضي بالتعاون مع “بلومبرغ” الأميركيّة بحيث أعلن الحاكم بالإنابة وسيم منصوري عزم “المركزي” على توفير منصّة تبادل جديدة بدلاً من منصّة “صيرفة” المُتوقّفة عن العمل منذ تسلّمه مهام الحاكميّة. وأشار إلى أنّ تأمين احتياجات الدولة يتمّ عبر الموازنة العامّة، وفي حال احتاج “المركزي” إلى تأمين الدولارات للدولة من السوق، فالأمر لا يتمّ عبر اللجوء إلى الصرافين إذ إنّ هناك آليّة مُحدّدة يجب احترامها، ناهيك عن أنّ عمليّة شراء الدولار تخضع لشروط امتثال عالية.

ولأنّ الامكانات تبقى محدودة، أطلق منصوري الدخان الأبيض لمنصّة “بلومبرغ” البديلة، بحيث أكّد أنّ هذه المنصّة سوف تقوم بتسهيل التداول وقلب الليرات إلى دولار ما سيوفّر للدولة امكان دفع كل التزاماتها بالليرة اللبنانيّة ولجوء من يُريد قبضها إلى المنصّة المذكورة. إقتراح مصرف لبنان بالغاء منصّة “صيرفة” بصورة نهائية واعتماد منصّة الكترونية دوليّة أكثر شفافيّة ومصداقيّة، طرح على طاولة مجلس الوزراء الذي منح موافقته على المنصّة الجديدة وفق الأصول القانونيّة المُتّبعة. ومع التوافق على استبدال “صيرفة” بـ”بلومبرغ”، من المتوقّع أن يأخذ دخول المنصّة الجديدة حيّز التنفيذ بعض الوقت نظراً إلى الغموض في الآليات المُقترحة والحاجة إلى إتمام جميع الاجراءت اللوجيستيّة والتقنية وضرورة إجراء الورشات التدريبية اللازمة واتخاذ كللامعايير النزاهة والشفافيّة والحوكمة الضامنة لسير عملها.

على مدى عامين ونصف العام، شكّلت منصّة “صيرفة” المُنشأة بموجب تعميم صادر عن حاكم مصرف لبنان الأسبق رياض سلامة من دون الرجوع إلى الرئاسة الثالثة، موضوعاً مُثيراً للانتقاد والجدل لا سيّما من المنظمات والمؤسسات الدوليّة بحيث وصفها البنك الدولي بأنّها إحدى أضعف السياسات التي اعتمدتها السلطات اللبنانية منذ اندلاع الأزمة والتي تحوّلت إلى آليّة للمضاربة ولجني الأرباح من خلال الفوارق في أسعار الصرف. واليوم، تتّجه الأنظار الى “بلومبرغ” التي تُعقد عليها الآمال لتحقيق هدفها الرئيس القاضي بضبط إيقاع سعر الصرف في السوق المالية وتحديد السعر الرسمي المُعتمد من دون أي تدخّل من مصرف لبنان وصولاً إلى تطبيق سياسة توحيد سعر الصرف. ويُعوّل على المنصّة المُستحدثة الحدّ من الاقتصاد النقدي وإخراج لبنان من دائرة تبييض الأموال والتصنيفات المتدنية خصوصاً وأنّ المنصّة سوف توفّر الغطاء القانوني لجميع الأموال التي تمرّ عبرها وستكشف آليّة التداولات وقيمتها وهوية الأشخاص المنفّذين لها. كما أنّ عمليات التداول سوف تحصل عبر المصارف فقط وتكون خاضعة للتدقيق والرقابة من مصرف لبنان والحكومة.

من الواضح أنّ عهد منصّة “صيرفة” ولّى من دون رجعة، وهو الأمر الذي كان قد أشار إليه نواب الحاكم الأربعة ضمن خطّتهم المالية والنقدية المُقدّمة منذ شهر تموز الماضي – أي قبل تولّي منصوري منصب الحاكم – والتي تضمّنت تحديد سعر صرف الدولار بصورة “مُدارة” عبر منصّة تداول مُعترف بها عالميّاً بحيث تعمل على عكس القيمة الحقيقية لليرة اللبنانيّة. علاوة على ذلك، فالمنصّة تدخل أيضاً ضمن الاتفاق المُبرم بين لبنان وصندوق النقد الدولي منذ نيسان العام 2022. وبالتالي، استحداث المنصّة هو استكمال لسلسلة القرارات الحاسمة التي يتخذها منصوري المُنسجمة مع مطالب الصندوق والرافضة لاستمرار السياسات النقدية السابقة.

يخطو مصرف لبنان بقيادة حاكمه خطوات مُتقدّمة وملحوظة في سبيل إعادة لبنان إلى الخريطة المالية العالميّة واسترجاع الثقة المحلية والدولية المفقودة بالاقتصاد اللبناني. فـ “المركزي” الذي يتمسّك بعدم المس بالاحتياطي الالزامي المتبقي لديه، يرفض تمويل المنصّة ودعم العملة الوطنية على حساب استنزاف أموال المودعين، لا بل يؤكد أنّ العرض والطلب سوف يحدد وفق معايير السوق على أن يقتصر تدخّله وقت الضرورة كبائع وشار شأنه شأن سائر المتداولين على المنصّة.

أسئلة كثيرة تُطرح حول دور المنصة الجديدة وكيفيّة إدارتها ومدى قدرتها على خلق التوازن وإحداث تغييرات جذرية في سوق الصرف لا سيمّا في حال عودة عمليات المضارب المفتعلة على الليرة اللبنانية وفي ظل التدخل المحدود لمصرف لبنان. من هنا، ينبغي أن يترافق إطلاق المنصة مع توفير مناخ سياسي مستقر متزامن مع سلسلة من الاصلاحات الضرورية المُندرجة ضمن خطة اقتصادية مالية ونقديّة تتضمّن إقرار موازنة العام 2024، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إقرار قانون “الكابيتال كونترول”، تحديد الخسائر وحماية المودعين من أجل إعادة انتظام العمل المالي وإفساح المجال أمام “بلومبرغ” للنجاح في لجم انفلات السوق عبر تحديد سعر صرف حقيقي وموحّد قادر على إعادة الاقتصاد إلى مسار النهوض والتعافي.

شارك المقال