الركود السياسي والاقتصادي يُرهق القطاع المصرفي والمالي

سوليكا علاء الدين

أصدرت شركة “Fitch Solutions” مؤخراً تقريراً يسلط الضوء على واقع قطاع الخدمات المصرفية والمالية في لبنان. ومع حلول الربع الثاني من العام 2024، لا يزال هذا القطاع الحيوي يواجه مخاطر وتحديات جسيمة تفاقمت بصورة كبيرة بفعل التطورات الأخيرة التي أدت إلى تعميق حالة عدم الاستقرار المزمنة في البلاد. وترزح المؤسسات في هذا القطاع تحت وطأة الانكماش الاقتصادي الطويل وانخفاض قيمة العملة واستمرار عدم الاستقرار السياسي، ما أدى إلى خلق بيئة تشغيلية واستثمارية بالغة الصعوبة.

وفي خضم هذه الأزمة، تواجه الصناعة طفرة واضحة من القروض المتعثرة وسحب الودائع، ما يُشكل ضغطاً هائلاً على استقرارها المالي. ويزيد من حدّة هذه التحديات، تآكل قيمة وثائق التأمين بفعل الضغوط التضخمية، الأمر الذي يُفاقم من صعوبات القطاع. علاوة على ذلك، يساهم تراجع ثقة المستثمرين، مدفوعاً بالتدهور الاقتصادي وتقلبات سوق الأوراق المالية، في ردع الاستثمارات المحتملة. ويتطلّب الخروج من هذه الأزمة تنفيذ إصلاحات جوهرية شاملة؛ فعلى الرغم من شروع لبنان بمناقشات مع صندوق النقد الدولي لمعالجة هذه القضايا، الا أنّ الافتقار إلى القيادة الحازمة عرقل أي تقدّم ملموس. ونتيجةً لذلك، تُرجّح التوقعات استمرار تقلبات السوق خلال ما تبقى من العام 2024.

بين الانهيار والاصلاح

وأشارت “Fitch Solutions” إلى أنّ القطاع المصرفي في لبنان يواجه تحدياتٍ مُستمرة، بحيث تُفاقم التطورات الأخيرة الوضع المترديّ القائم. ونظراً الى توقعات استمرار الاشتباكات بين “حزب الله” وإسرائيل حتى الربع الثاني من العام 2024، خفّضت الشركة توقعاتها لنمو الاقتصاد اللبناني لعام 2024 من 1.4 في المئة إلى انكماش بنسبة 0.5 في المئة. ومع حلول الربع الثاني من العام 2024، لا تزال حالة الأزمة في القطاع المصرفي اللبناني قائمة، مع توقع استمرارها على المدى المتوسط في ظل استمرار الجمود السياسي الذي يعوق أيّ إمكان لتحقيق تحسّنٍ ملحوظ. وقد أدّت تداعيات الانهيار المالي في البلاد، إلى جانب الانخفاض الكبير في قيمة العملة الوطنية، إلى موجةٍ هائلة من عمليات سحب الودائع، ما زاد من الضغوط على البنوك بصورة كبيرة.

كما تزداد حدّة التحديات التي يواجهها لبنان مع ارتفاع ضريبة الدخل والشركات في ميزانية 2024، ما يُفاقم من تأثير التضخم المُتوقّع بلوغه 115 في المئة في المتوسط خلال العام 2024، الأمر الذي سيُشكل عبئاً كبيراً على نمو الاستهلاك الخاص. بالاضافة إلى ذلك، يُخشى أن ينعكس التدهور المستمر في البيئة الأمنية على الجهود المبذولة لإصلاح القطاع المصرفي في لبنان، ما يُهدّد بإعاقة مسار الاصلاحات المالية الضرورية وتفاقم الأزمة المصرفية التي تُثقل كاهل البلاد منذ تشرين الأول عام 2019.

رهان التأمين

يشهد قطاع التأمين في لبنان واقعاً مزدوجاً من التحديات والفرص. ففي حين تُسجّل أقساط التأمين ارتفاعاً ملحوظاً، إلّا أنّ جزءاً كبيراً من هذا النموّ ناتج عن الارتفاع المتسارع لمعدلات التضخم، والتي من المتوقع أن تصل إلى 115 في المئة في العام 2024. ويُشكّل هذا الضغط التضخمي تحدياتٍ فريدةً لشركات التأمين العاملة في البلاد، وفقاً للتقرير. وعلى الرغم من الارتفاع في هذه الأقساط ، قامت “Fitch Solutions” بمراجعة توقعاتها قصيرة المدى لصناعة التأمين اللبنانية بصورة سلبية. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، أبرزها التضخم المتزايد، وتقلبات العملة، والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستمرة. كما ساهم ازدياد العنف في المنطقة، بما في ذلك الحرب بين إسرائيل و”حماس”، في تفاقم الوضع. إذ تُشير التطورات الأخيرة، وخصوصاً الاشتباكات المتكررة على طول الحدود اللبنانية في الربع الثاني من العام 2024، إلى احتمال تفاقم حالة عدم الاستقرار في جميع أرجاء المنطقة، ما يُشكل خطراً على مستقبل قطاع التأمين في لبنان.

ومن المرجح أيضاً أن تُؤدّي التقلبات السياسية في لبنان، بما في ذلك التأخير في انتخاب رئيس الجمهورية، وتنامي أزمات نقص الغذاء والوقود، إلى تراجع الطلب على منتجات التأمين على الحياة والتأمين العام. وعلى الرغم من الإمكانات الواعدة لنموّ القطاع على المدى الطويل، إلّا أنّ العقبات الهيكلية الحالية تعوق تحقق هذا الإمكان في المستقبل القريب، وفقاً لتقرير الشركة.

سباق مع الاصلاحات

أكثر من خمس سنوات مضت على اندلاع الأزمة الاقتصادية والنقدية التي عصفت بلبنان، تاركةً وراءها تدهوراً عميقاً في قطاعات الدولة كافة، لا سيما القطاع المصرفي، الذي كان يُعدّ عصب الاقتصاد اللبناني. ودفعت حدّة الأزمة الحكومة اللبنانية إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جوهرية في القطاع المصرفي كشرط أساسي لتقديم الدعم. وتهدف هذه الاصلاحات إلى إعادة هيكلة المصارف ورسملتها واستعادة الثقة المفقودة، ما يمهد الطريق للخروج من الأزمة الخانقة والنهوض من جديد.

اليوم، ومع وقوف لبنان على عتبة الانتظار السياسي والأمني ومراوحة ملفّ الاصلاحات مكانه، يواجه القطاع المصرفي مستويات تراجع قياسية، تُنذر بمخاطر جسيمة على مستقبل الاقتصاد الوطني، ليبقى إنقاذ القطاع المصرفي في لبنان رهناً بمعالجة الأزمات المتشعّبة بصورة سريعة وجذرية وحجر الأساس لأي انتعاش اقتصادي، لا سيما وأنّ كلّ يومٍ يمرّ يُضاعف من تكلفة الأزمة ويُقلّل من فرص النجاة.

شارك المقال