سوريا… عقد قاتم انسانياً واقتصادياً

سوليكا علاء الدين

لا يزال الصراع السوري المُمتد، الذي دخل عامه الرابع عشر، يُشعل نار الأزمة السياسية في البلاد، من دون أي بصيص أمل لحلٍ وشيك، ما يُفاقم الوضع الانساني المُزمن ويُغرق الاقتصاد في مستنقع انكماش لا نهاية له، وسط تدهور الليرة السورية وارتفاع مستويات التضخم. وتُشير أحدث التقديرات الأممية إلى أنّ عدد سكان سوريا يبلغ نحو 23.46 مليون نسمة، منهم 7.25 ملايين نسمة يعيشون في حالة نزوح داخلي، بينما يقيم مليونا نازح تقريباً في مخيمات. كما تُظهر إحصائيات الأمم المتحدة أن أكثر من 12 مليون شخص، أي نصف السكان، يواجهون أزمة نقص حاد في الغذاء، بينما يواجه 2.9 مليون شخص آخر خطر الانزلاق إلى الجوع في القريب العاجل، بالاضافة إلى أن ما يزيد عن 16 مليون شخص (70 في المئة من السوريين)، يعيشون في ظروف قاسية تتطلب مساعدة إنسانية عاجلة.

وتسبب الصراع في إلحاق ضرر فادح بالاقتصاد السوري. فبين عامي 2010 و2020، فقدت سوريا نصف ناتجها المحلي الاجمالي، ما أدى إلى تراجعها من تصنيف الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض إلى الدول منخفضة الدخل مع تسجيل الحد الأدنى للأجور نحو 280 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل أقل من 20 دولاراً أميركياً. كما وصلت تكلفة المعيشة في البلاد إلى أعلى مستوياتها على الاطلاق نتيجة التضخم وافتقار البلاد إلى مقومات الإنتاج الأساسية.

الصراع يدمّر الاقتصاد

مؤخراً، كشف تقريران جديدان للبنك الدولي أن الصراع المستمر في سوريا لأكثر من 10 سنوات، والذي اشتدّ بسبب الصدمات الخارجية، قد أدى إلى تعميق الأزمة الاقتصادية المتردية أصلاً في العام 2023، ما نتج عنه تدهور ملحوظ في رفاهية الأسر السورية. وحذّر البنك الدولي من أن استمرار نقص التمويل ومحدودية المساعدات الاسانية يُفاقمان من استنزاف قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، في ظل ارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة.

وفي هذا السياق، ناقش تقرير “المرصد الاقتصادي لسوريا، ربيع 2024: الصراع والأزمات وانهيار رفاه الأسر” السمات الرئيسية للسياسات الاقتصادية الكلية في سوريا، مُوضحاً ارتباطها بالصراع الدائر في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها. كما عرض نتائج التقرير الذي حمل عنوان “رفاه الأسر السورية بعد عقد من الصراع”، والذي يقيّم بعض تداعيات الصراع في سوريا على مستويات الرفاه. وسلّط التقرير الضوء على التغيرات في عدد من مؤشرات الرفاه بين فترة ما قبل الصراع (2000-2010) وصيف عام 2022، عندما تم إجراء أحدث مسح وطني في إطار برنامج تقويم الاحتياجات الانسانية.

وفي تعليقه على ذلك، قال جان كريستوف كاريه، المدير الاقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، إن سوريا شهدت في العام 2023 تراكماً من الصدمات المتعددة والمتداخلة، بدءاً من زلزال شباط/فبراير وصولاً إلى التأثيرات غير المباشرة للصراع الدائر في الشرق الأوسط. وأضاف كاريه أن سوريا، بعد مرور أكثر من عقد على الصراع الأكثر دموية في هذا القرن، تراجعت قدرتها على التعامل مع الصدمات الاقتصادية الخارجية، خصوصاً مع تراجع تدفق المعونات وصعوبة الحصول على المساعدات الانسانية وتصاعد حدة التوترات الجيوسياسية الاقليمية.

وبحسب أحدث البيانات، استمر الاقتصاد السوري في التدهور في العام 2023. فقد انخفض النشاط الاقتصادي، كما يتضح من انبعاثات الأضواء الليلية، بنسبة 1.2 في المئة على أساس سنوي لا سيما على طول الحدود الغربية لسوريا. ويُعزى هذا الانخفاض إلى ضعف النشاط التجاري إذ أظهرت بيانات إحراق الغاز ليلاً أيضاً انخفاضاً بنسبة 5.5 في المئة على أساس سنوي في إنتاج النفط، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية من جراء الزلازل والصراعات.

كما تعرضت الليرة السورية لانهيار كبير في قيمتها، بحيث انخفضت بنسبة 141 في المئة مقابل الدولار الأميركي. وتزامن ذلك مع تصاعد حاد في التضخم، بحيث بلغت نسبة ارتفاع أسعار المستهلكين 93 في المئة. وقد تفاقمت الأزمة مع خفض الدعم الذي تقدمه الحكومة. ومع تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، استمرت إيرادات المالية العامة في التراجع، الأمر الذي دفع السلطات إلى تقليص الإنفاق بصورة ملحوظة، خصوصاً في ما يتعلق بالإنفاق الرأسمالي، مع ضبط كبير لبرامج الدعم.

انهيار زراعي وصناعي

من جهة ثانية، شهد العام 2023 تحسناً طفيفأً في الانتاج الزراعي في سوريا، مدفوعاً بتحسن الأحوال الجوية، بعد أن وصل إلى أدنى مستوى تاريخي له تقريباً في العام 2022. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال قطاع الزراعة في سوريا- الذي يعمل فيه أكثر من 20 في المئة من السوريين- يُعاني من نزوح أعداد هائلة من المزارعين. كما تسببت الاضطرابات المرتبطة بالصراع في أضرار واسعة النطاق بالبنية التحتية وشبكات الري، ما أدى إلى انخفاض كبير في المحاصيل.

وبدورها، انعكست هذه الاضطرابات بشدّة على التجارة الخارجية. وتسبّب انهيار الانتاج الصناعي والزراعي المحلي في زيادة اعتماد سوريا على الواردات، بالاضافة إلى ازدياد الاعتماد على الواردات الغذائية، الذي تفاقم مع اندلاع الصراع عام 2011.

تجدر الاشارة إلى أنّ أكثر من نصف الشعب السوري (أي ما يعادل 12 مليون شخص) يعانون من نقص حاد في الغذاء، بينما يواجه 2.9 مليون آخرون خطر المجاعة، وذلك وفقاً لاحصاءات الأمم المتحدة.

انكماش مُطرد

كذلك، توقع تقرير المرصد الاقتصادي لسوريا لربيع 2024 استمرار الانكماش الاقتصادي الطويل الأمد في العام 2024. ومع سيطرة حالة عدم اليقين على مستقبل إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، قد تصل نسبة الانكماش إلى 1.5 في المئة في العام 2024، بعد تسجيل انخفاض بنسبة 1.2 في المئة في العام 2023. ومن المرجح أن يواصل الاستهلاك الخاص تراجعه، وهو العجلة الرئيسية للنمو، مع استمرار تآكل القوة الشرائية للأفراد بسبب ارتفاع الأسعار.

وبحسب التوقعات، سيبقى الاستثمار الخاص ضعيفاً في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني والغموض في المشهد الاقتصادي وعلى مستوى السياسات. ومن المتوقع أن يستمر التضخم في الارتفاع خلال العام 2024 بسبب الآثار الناجمة عن انخفاض قيمة العملة، بالاضافة إلى استمرار العجز في أرصدة العملات الأجنبية، واحتمال اتخاذ المزيد من الإجراءات لخفض دعم الغذاء والوقود. إذ تشير موازنة العام 2024 إلى استمرار خفض دعم السلع الأساسية.

التحويلات تقاوم الفقر

وقدّم القسم الخاص من التقرير خلاصة موجزة للنتائج الرئيسية لتقرير رفاه الأسر السورية، إذ كشف أن الفقر قد طال 69 في المئة من السكان في العام 2022، أي ما يعادل نحو 14.5 مليون سوري. وعلى الرغم من أن الفقر المدقع لم يكن موجوداً بصورة فعلية قبل اندلاع الصراع، إلا أنه طال أكثر من واحد من كل أربعة سوريين في العام 2022، وربما تفاقم بسبب الآثار المدمرة لزلزال شباط/ فبراير 2023. وقد ساهم العديد من العوامل الخارجية، بما في ذلك الأزمة المالية في لبنان عام 2019، وجائحة “كوفيد-19″، والحرب في أوكرانيا، في تفاقم تراجع رفاهية الأسر السورية في السنوات الأخيرة.

كما أوضح التقرير أن الفقر في سوريا يعكس تبايناً جغرافياً واضحاً. فأكثر من 50 في المئة من أشد الفئات فقراً يعيشون في ثلاث محافظات فقط هي حلب وحماة ودير الزور، بينما تُسجل المحافظات في شمال شرق سوريا أعلى معدلات انتشار الفقر. في حين تواجه الأسر التي تُعيلها نساء والأسر النازحة داخلياً مخاطر أكبر للوقوع في الفقر.

وبسبب الواقع المعيشي الصعب، يضطر معظم السوريين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، ويأتي في مقدمها التحويلات المالية من المغتربين خارج سوريا. ووفقاً للتقرير، تُعدّ التحويلات المالية شريان حياة بالغ الأهمية للأسر السورية من أجل بقائها على قيد الحياة. ويرتبط إرسال التحويلات من الخارج بتراجع معدلات الفقر المدقع بنسبة 12 نقطة مئوية وانخفاض معدلات الفقر عموماً بنسبة 8 نقاط مئوية.

شارك المقال