كأنه لا يكفي ما يعيشه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية ومالية وأمنية، حتى لاحت في الأفق أزمة “انهيار” بالأسواق المالية العالمية تحبس الأنفاس، وبدأ كثير من اللبنانيين يتساءل عن تداعياتها وتأثيراتها على لبنان المنهك والمأزوم إلى حد كبير.
وفي المشهد العالمي العام، تراجعت مؤشرات أبرز أسواق المال والبورصات العالمية في الولايات المتحدة الأميركية، أوروبا وآسيا والدول العربية، نتيجة مخاوف جدية من حدوث ركود في الاقتصاد الأميركي، وذلك يعود إلى ثلاثة أسباب:
أولاً، أظهر تقرير الوظائف الأميركي ارتفاعاً غير متوقع في معدل البطالة إلى 4.3%، ما أثار المخاوف من ركود اقتصادي في أكبر اقتصاد عالمي.
ثانياً، قرر البنك المركزي الياباني رفع أسعار الفائدة بأكثر من المتوقع، ما أدى إلى زيادة قيمة الين بصورة مفاجئة وضغوط على الاقتصاد الياباني.
ثالثاً، تصاعدت التوترات بين إيران وإسرائيل معطوفة على الحرب الأوكرانية-الروسية، والصراع الاقتصادي الخفي بين الولايات المتحدة والصين، ما زاد من حالة عدم الاستقرار وأدى إلى انهيارات في الأسواق.
أثرت هذه العوامل على الأسواق العالمية كافة، فتراجعت مؤشرات الأسهم بصورة حادة، وتراجعت أسعار النفط والعملات المشفرة، بينما اتجه المستثمرون نحو الذهب كملاذ آمن.
كل هذا، أعاد إلى أذهان الاقتصاديين “انهيارات تاريخية” مرّت في تاريخ الاقتصاد العالمي، خصوصاً الأزمة المالية العالمية عام 2008.
لكن ما يهمّ اللبنانيين حالياً هو سؤال واحد: كيف سيتأثّر لبنان بالأزمة المالية الحادة في العالم؟ يجيب الاقتصادي الدكتور سامي نادر: “لبنان مأزوم اقصادياً أصلاً، إلا أنه ليس مكشوفاً على الأسواق الأميركية، ولديه ما يكفي من مشكلات. والأزمة الاقتصادية عام 2008 كانت أكبر، وقد استفاد لبنان في حينها من تدفّق الأموال من الولايات المتحدة وبعض الدول في العالم إذ اعتبره الكثيرون ملاذاً آمناً لأموالهم، وخصوصاً أولئك الذين كانوا يستثمرون أموالهم في الأسهم الأميركية، اتجهوا إلى لبنان ليضعوها كودائع في المصارف اللبنانية، ولو كان القطاع المصرفي والمالي اللبناني سليماً اليوم، لكنا استفدنا من تداعيات الأزمة، إلا أننا في حالة انهيار أصلاً”.
ويوضح نادر أن “أسعار النفط التي تتراجع عالمياً وانتشار البطالة، قد يؤثّران على تحويلات المغتربين اللبنانيين من الخارج إلى لبنان، وخصوصاً أن 55 في المئة من المغتربين الذين يدعمون عائلات لبنانية ستتراجع تحويلاتهم التي بلغت 6 مليارات دولار عام 2023 وفق البنك الدولي”، مشيراً إلى أن “اللبنانيين الذين يتعاملون مع دول الخليج وخصوصاً المنخرطون في سوق العمل هناك قد يواجهون البطالة، وقد تتأثر الصادرات أيضاً”.
ولا شك في أن لبنان يمر بأسوأ مرحلة منذ أشهر، بعد تصاعد المواجهات بين اسرائيل و”حزب الله”، وارتفاع مستوى التصعيد نتيجة الضربات المتبادلة، والتهديدات والحرب النفسية… كلّها ساهمت في “زيادة الطين بلّة”، وقضت على الموسم السياحي الذي انتهى باكراً، بدليل كثافة حركة المغادرين يومياً عبر مطار رفيق الحريري الدولي، وإلغاء الكثير من الحفلات الفنية والمهرجانات في العاصمة والمناطق، ما يعني تلقائياً تكبّد القطاع بمرافقه الفندقية والسياحية والمطاعم والملاهي خسائر جسيمة تفوق، حسب التقديرات، 3 مليارات دولار، غير قابلة للتعويض آنياً بسبب قرب نهاية فترة العطلات السنوية التي يعوّل عليها بتوافد الزائرين.
وفي الختام نسأل نادر: ما هو أفق هذه الأزمة؟ يرد: “أرى أنها مرتبطة بالانتخابات الرئاسية الأميركية، ومن الواضح أن المرشّح الجمهوري دونالد ترامب بدأ يستغلها ضد مرشّحة الحزب الديموقراطي كاميلا هاريس ملقياً عليها وعلى الرئيس جو بايدن المسؤولية، وأتوقّع أن تبدأ الأمور بالتحسّن فور انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية”.


