لم تمرّ الانتخابات البلدية لهذا العام كسابقاتها في القرى الجنوبية التي لطالما اعتُبرت معاقل متينة لتحالف “الثنائي الشيعي”، بل انقلبت الساحة إلى مرآة صادمة لصراعات داخلية غير مسبوقة داخل “حزب الله”، كشفت عن تصدّع في بنيته التنظيمية، وصراع أجنحة خرج إلى العلن بعد الحرب الاسرائيلية الأخيرة واغتيال عدد كبير من قادة الحزب، وعلى رأسهم الأمين العام حسن نصر الله، بحسب ما تؤكده تسريبات متقاطعة.
ووفق معلومات متداولة من مصادر ميدانية ومتابعين للاستحقاق، فإن خطة “الثنائي” التي كانت تهدف إلى فرض التزكية في ما يقارب 70% من قرى الجنوب، اصطدمت بتمرّد واسع من روابط الحزب وكوادره أنفسهم، الذين رفضوا الالتزام بقرارات القيادة المركزية، وطرحوا مرشحين من خارج اللوائح الرسمية، متحدّين كل المحاولات لضبط الإيقاع الداخلي.
التمديد للانسحاب.. ومحاولات إطفاء نار الفوضى
وعلى وقع تصاعد الخلافات داخل القرى، جرى تمديد مهلة سحب الترشيحات حتى منتصف ليل الجمعة، لمحاولة معالجة المواقف المتأزمة، لا سيما في البلدات التي خرج فيها التمرّد إلى العلن. ووفق مصادر مطلعة، فإن تمديد المهلة لم يأتِ نتيجة اتفاق سياسي، بل كان أشبه بمناورة لإتاحة الوقت لتسجيل انسحابات مرشحين كانوا لا يزالون في مبنى المحافظة.
اللافت أن رئيس مجلس النواب نبيه بري دخل شخصياً على خط الوساطات، وأجرى اتصالات مباشرة ببعض المرشحين ممن يمكن أن “يمون” عليه، في محاولة لاحتواء التوتر في عدد من البلدات. في المقابل، سُجّل غياب تام لأي تحرك جدي من قيادة “حزب الله”، ما فُسّر في أوساط مطلعة بأنه يعكس وجود تصدّع عميق بين القيادة المركزية والروابط الحزبية على الأرض.
معروب: نائب يدعم “قريبه” ضد لائحة الحزب
في معروب، خرجت الأمور كلياً عن المألوف. فالنائب في كتلة “الوفاء للمقاومة” حسن عز الدين يدعم قريباً له يخوض المعركة ضد اللائحة الرسمية لـ “الثنائي”، متحدّياً قرار الحزب ومخالفاً التوجيهات المركزية. وعلى الرغم من محاولات الضغط لإقناعه بالتراجع، أصرّ على خوض المعركة، في مشهد يفضح حجم التفلّت من القرار التنظيمي، ويدفع البلدة إلى معركة مفتوحة: الحزب ضد “متمرديه”.
كفرا وكفرتبنيت وكفرفيلا: مجالس بلا “أمل”
في كفرا وكفرتبنيت وكفرفيلا، انسحب مرشحو حركة “أمل” بصورة نهائية، احتجاجاً على ما وصفوه بـ”نكث الاتفاق” من “حزب الله”، الذي رشّح عدداً كبيراً من الأسماء من دون الالتزام بالتفاهمات الثنائية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن كثيراً من هؤلاء المرشحين لم ينسحب على الرغم من توجيهات القيادة، بل استمر في الترشّح خلافاً للإرادة الحزبية. وفي الكواليس، يُطرح حلّ “بالمقلوب”: تشكيل المجالس الآن، ثم إجبارها لاحقاً على الاستقالة لإعادة التوازن بين الحليفين.
سجد: لائحة ضد لائحة في بيت “الثنائي”
أما في بلدة سجد بقضاء جزين، فتتجلّى إحدى أبرز مفارقات هذا الاستحقاق. إذ تشهد البلدة معركة انتخابية بين لائحة “التنمية والوفاء” المدعومة من الحزب، ولائحة معارضة بعنوان “عائلات الثنائي الشيعي”، في مشهد غير مألوف يعكس انقساماً داخل بيئة يفترض أنها موحّدة تحت عباءة التحالف. ويصف بعض المتابعين هذه المواجهة بأنها تعبّر عن “الوجه الديموقراطي الجديد في الجنوب”، لكنها في الجوهر تُظهر تراجع الهيبة التنظيمية، وجرأة القواعد على الترشح في وجه قرار الحزب.
حبشيت: التزكية المفروضة على فوهة تهديد
حتى في البلدات التي تمكّن الحزب من فرض التزكية فيها مثل حبشيت، لم يخلُ المشهد من التوتر. فقد تداول الأهالي رسائل صوتية تهديدية من مناصرين غاضبين، اعتبروا أن ما جرى “تزكية بالإكراه”، وأن البلدة مقبلة على مشكلات داخلية بسبب احتقان شعبي غير مسبوق.
المال السياسي يدخل من بوابة الخلاف
وإلى جانب الصراع الداخلي، بدأت تلوح بوادر اختراقات خارجية داخل البيئة الحزبية. فقد كشف موقع “لبنان الكبير” عن تحالف مستجد بين متموّل لبناني يقيم في الامارات وقيادي سابق منشق عن الحزب، يخوضان معركة انتخابية ضد اللائحة الرسمية في إحدى القرى الجنوبية الصغيرة. ووفق التقارير، جرى تمويل الحملة بما يقارب نصف مليون دولار، وتمّ شراء ذمة مختار بأربعة أرقام، في سابقة غير مألوفة ضمن بيئة لطالما عُرفت بانضباطها.
وتشير معلومات متقاطعة إلى أن هذا التحالف ليس الوحيد من نوعه، بل رُصدت محاولات مشابهة في بلدات أخرى، ما يطرح تساؤلات عما إذا كان الأمر يتعلّق بشبكة تحرّك من الخارج بهدف ضرب بنية الحزب، أو بحالات فردية ناتجة عن صراعات داخلية واحتقان شعبي مزمن.
أسئلة بلا أجوبة: من يحكم الحزب؟ وكم جناحاً يضم؟
في ظل هذا المشهد المتصدّع، يتساءل مراقبون: كم جناحاً بات يضمّ “حزب الله”؟ ومن يتحكّم فعلياً بالقرار؟ هل بات نائب في الحزب أقوى من القيادة المركزية؟ هل تنجح شخصية مثل نعيم قاسم أو فريقه السياسي في إعادة الإمساك بالخيوط؟ أم أن الحزب أمام لحظة تاريخية من التفتت العمودي والأفقي لا رجعة فيها؟
الأكيد أن الجنوب تغيّر، وأن نتائج هذه الانتخابات – سواء حُسمت بالتزكية أو بالصندوق – ستكون بداية لتحوّلات أعمق، تبدأ من البلديات ولا تنتهي في النيابة. أما “حزب الله”، فها هو يخوض أكبر اختبار داخلي في تاريخه، ليس في وجه خصومه، بل داخل بيته، وبين أبنائه.


