انطلاق “الجمهورية السيادية”… انتهاء “فائض القوة”

جو رحال

في تطوّر سياسي يُعدّ الأبرز منذ سنوات، التأم مجلس الوزراء في جلسة استثنائية في قصر بعبدا، برئاسة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وبحضور رئيس الحكومة نواف سلام وكافة الوزراء، باستثناء وزير المالية ياسين جابر الذي غاب بداعي السفر.
لم تكن جلسة بعبدا عابرة في سياق العمل الحكومي، بل شكّلت علامة فارقة في مسار استعادة الدولة قرارها، ووضعت لبنان على سكة مواجهة مباشرة مع واقع السلاح الموازي، الذي طالما شكّل عقدة في بنيان الدولة.

الرئيس جوزاف عون، وقبيل انعقاد الجلسة، قالها بوضوح في حديث إلى قناة “العربية”: “حصرية السلاح بيد الدولة ستتحقّق رغم الصعوبات والعوائق”.
تصريح لم يكن تفصيلاً في المشهد، بل مؤشراً إلى قرار سياسي كبير بدأت معالمه تتبلور من قصر بعبدا، حيث أُقِرّت بالإجماع الأهداف العامة للورقة الأميركية الهادفة إلى إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي، وتكريس الجيش اللبناني والقوى الأمنية كمرجعية وحيدة في الأمن والدفاع.

الورقة، التي باتت اليوم سياسة رسمية، تضمّنت رؤية شاملة تمتدّ من الالتزام الكامل بالقرار 1701، مروراً بوقف أي نشاط مسلح غير شرعي، وصولاً إلى فتح مسار ترسيم نهائي للحدود البرّية بإشراف دولي، مع حوافز مالية واضحة تشمل دعماً للجيش وبرامج لإعادة إعمار المناطق الجنوبية.

اللافت أن الحكومة اللبنانية تبنّت هذه الورقة على مستوى الأهداف، وكلّفت الجيش بوضع خطة تنفيذية تُعرض خلال أيلول المقبل، في إشارة واضحة إلى الجدية في الانتقال من مرحلة التوصيف إلى الفعل.

عون كرّر في الجلسة الموقف نفسه: “لا أمن بلا شرعية، ولا قرار خارج المؤسسات. لقد آن الأوان لأن تعود الدولة إلى موقعها، وأن تستعيد كامل عناصر سيادتها”.
من جانبه، أكد وزير الإعلام بول مرقص أن ما جرى ليس خطوة تقنية، بل تحوّل سياسي كبير سيُترجم تباعاً عبر خطة شاملة يقودها الجيش، بالتنسيق مع المجتمع الدولي.

لكن، وكما كان متوقّعاً، لم يمرّ القرار بهدوء في أوساط الثنائي الشيعي. فقد أصدر “حزب الله” بياناً نارياً رفض فيه ما وصفه بـ”الخضوع لإملاءات خارجية”، واعتبر أن أي محاولة للمساس بسلاحه “تعرّض السلم الأهلي للخطر”. وسرعان ما ظهرت بوادر تحرّك ميداني في الضاحية والبقاع، في رسائل احتجاجية رمزية، تؤكد أن المواجهة السياسية مفتوحة، وأن طريق استعادة القرار السيادي لن تكون سهلة.

على المقلب الدولي، سُجّل ترحيب فوري من واشنطن، حيث وصف الموفد الأميركي توماس براك الخطوة بـ”القرار الجريء الذي يعيد للدولة اللبنانية موقعها الطبيعي”. كما صدرت مواقف داعمة من باريس وبرلين والدوحة والقاهرة، وسط إشارات إلى استعداد المجتمع الدولي لمواكبة هذا المسار ببرامج دعم مباشر، تبدأ من المؤسسة العسكرية ولا تنتهي عند إنعاش الاقتصاد المحلي.

قيادة الجيش دخلت في سباق مع الوقت لإعداد خطة العمل التنفيذية، والتي يُتوقّع أن تشمل: إعادة الانتشار في المناطق الحسّاسة، ضبط المعابر غير الشرعية، تفكيك المربّعات الأمنية الخارجة عن القانون، ومعالجة ملف السلاح داخل المخيّمات الفلسطينية.

المهمة لن تكون سهلة، لكنها هذه المرة تستند إلى قرار سياسي واضح وصريح، صادر عن أعلى مرجعية دستورية.

في الخلاصة، ما جرى في بعبدا ليس مجرد اجتماع حكومي، بل لحظة مفصلية تعلن ولادة معادلة جديدة: لا سلاح إلا بيد الدولة، ولا أمن خارج إطار المؤسسات.
إنها بداية الجمهورية السيادية، التي يُفترض أن تُبنى على القانون وحده، لا على فائض القوة. والمسار بدأ… من قصر بعبدا.

شارك المقال