بعد حوالي سبعة أشهر من بداية العهد الجديد وحكومته، يبدو أن البلد بدأ يسلك، ولو نسبيًا، طريق استعادة منطق الدولة، وإعادة بناء مؤسساتها، بالرغم من كمّ المشاكل الهائل الذي يعترض المسيرة، بعد سنوات من العشوائية والفوضى ووضع اليد على البلد. وقد أدّى ذلك إلى تعدّد المصالح والمآرب وتوزّعها بين غالبية الأطراف السياسية الفاعلة، ما أسفر في النهاية عن الانهيار، وهو ما يجعل الأمور أكثر صعوبة اليوم نظرًا لمحاولة كل طرف المحافظة على مكتسباته السابقة، في حين أن الضغط الدولي والإقليمي بات، كما يبدو، في أواخر فترة سماحه للطبقة السياسية من أجل إصلاح الأمور، بعد أن ضاق ذرعًا بممارساتها التي باتت تهدد مصالح الإقليم ككل، بعدما أوصلت البلد إلى مرحلة الانهيار التام، الذي بلغ حدّ التحلّل على كافة المستويات، جرّاء الفساد الذي ضرب كل القطاعات الحسّاسة والحيوية فيه، بدءًا بالسياسة والاقتصاد والمال وصولًا إلى القضاء والأمن، مرورًا بالتربية والبيئة والصحة وغيرها من مناحي الحياة.
لعلّ من أبرز شواهد بداية عودة البلد إلى الطريق الصحيح كانت الطريقة التي شُكّلت بها أولى حكومات العهد، سواء من حيث الشكل أو المضمون أو الوجوه، إذ جاء التكليف ومن ثم التأليف مغايرًا بدرجة كبيرة، وإن لم يكن كليًا، للمرات السابقة، وكذلك الطريقة التي تمّت بها التعيينات المختلفة لملء الشواغر في الإدارات العامة، التي جاءت أفضل، ونكرّر نسبيًا، بما لا يقاس عن المرات السابقة. كما برزت الجهود التي قامت بها بعض اللجان النيابية وغيرها في سبيل كشف ممارسات الفساد في الوزارات، ما أدّى إلى أن نرى وزيرًا سابقًا خلف القضبان، برغم كل المحاولات التي قام بها للإفلات من العقاب، كما تم رفع الحصانة عن وزير آخر، في سابقة لم تحصل من قبل، على الأقل منذ عشرات السنين. كذلك التحقيقات التي أدّت إلى توقيفات في قضايا الممارسات في كازينو لبنان، الذي كان يُنظر إليه دائمًا على أنه واحدة من أكبر “مغارات علي بابا”، وربما الأكبر، في لبنان، كونه يُمثّل “الصندوق الأسود” لبعض الطبقة السياسية التي تحكّمت بالبلد على مدى عهدٍ كامل، هذا فضلًا عن عدد من مشاريع القوانين المهمة التي أقرتها الحكومة وأحالتها إلى المجلس النيابي لإقرارها، من دون أن ننسى عودة التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت.
هذا على مستوى الممارسة اليومية للحكومة داخليًا ومؤسساتيًا، التي وإن كانت ممارسة ناجحة، إلا أنها ما كانت لتبقى كذلك، ما لم تُقرنها الحكومة والعهد بموقف جريء وشجاع، يتعلّق بمحاولة بناء شبكة أمان للبلد والدولة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، وكذلك محاولة كسر “اللامبالاة”، ولا نقول الحصار، الدولية والعربية تجاه لبنان ومساعدته على الخروج من أزماته المتراكمة.
من هنا تأتي أهمية القرارات الحكومية المتخذة مؤخرًا: الأول في 5 آب، حيث نزعت الحكومة غطاء الشرعية بالكامل عن كل سلاح في لبنان، باستثناء سلاح القوى العسكرية والأمنية اللبنانية، وطلبت من الجيش وضع خطة لتنفيذ حصرية السلاح بأيدي هذه القوى. أما الثاني ففي 7 آب، حيث وافق مجلس الوزراء على أهداف خطة المبعوث الأميركي توماس باراك لمعالجة الوضع الحدودي اللبناني في الجنوب من جهة، والشمال والشرق من جهة أخرى. وهي قرارات شجاعة وجريئة، ما كانت لتتخذ، بغض النظر عن وقعها الصاعق على البعض، لولا الدعم الإقليمي والدولي لها، في ظل المتغيّرات الحاصلة والمتسارعة منذ عملية “طوفان الأقصى”.
من البديهي القول، بل حتى التوقّع، أن هذه القرارات الجريئة، سواء الأخيرة منها أو مسار الحكومة ككل، لم تكن لتمر مرور الكرام من دون اعتراضات، على الأطراف السياسية كافة بشكل عام، وبعضها بشكل خاص، وذلك كلّ من زاويته الخاصة وتبعًا لتداعياتها عليه. وإن كان كما يبدو أن قوة الدفع الإقليمية والدولية لن تقف عند أي اعتراض أو محاولة تخريب. من هنا ظهرت بعض المؤشرات على هذه الاعتراضات، وهي مؤشرات مؤسفة، لأن البعض حتى اليوم، وبالرغم من الوضع المزري في البلد الذي ساهموا هم أنفسهم بالقسم الأكبر منه، لا يزال مستمرًا في محاولة “الاستثمار” في الفوضى لتحقيق بعض المكاسب الرخيصة، ما يدعو للتوجس دائمًا على البلد من أمثال هؤلاء المتربصين به وبشعبه متى سنحت لهم الظروف. وإلا كيف نفسّر مثلًا أن تيارًا سياسيًا، بأمه وأبيه، يتحرك احتجاجًا على التحقيق مع متهم بالفساد، ويجزم بأنه بريء من دون انتظار نتائج التحقيقات، لينصّب بذلك نفسه قاضيًا؟ وكيف نفسّر أن حزبًا “إقليميًا” ذو قوة شعبية ضاربة في لبنان، يعتبر أن العودة إلى كنف الدولة والانضواء تحت لواء الدستور، إنما هو هزيمة له ولمشروعه، فيطلق مناصريه ليعيثوا في الأرض فسادًا باسم المقاومة والمطالبة بتحرير الأرض، التي ما أُحتلّت إلا نتيجة مغامراته البائسة؟ وكيف نفسّر أن وزيرًا سابقًا، وهو بالمناسبة نائب حالي، يرفض المثول أمام المحقق العدلي بصفة شاهد في قضية تفجير مرفأ بيروت، ومع ذلك يدعو إلى مؤتمر صحافي للمطالبة بـ”توضيح” مقتل أحد أخطر المطلوبين، الذي بحقّه أكثر من ألف مذكرة توقيف، وذلك ليس حرصًا منه على “حقوق الإنسان” مثلًا، ولا حرصًا على معرفة حقيقة من وراء هذا المطلوب وغطاؤه طيلة هذه السنوات، بل فقط لأنه أحد أبناء عشيرته، وما ذلك سوى لأهداف انتخابية ضيقة ورخيصة، في حين أن البلد يعاني من الشلل التام نتيجة هذه العقلية في ممارسة “المسؤوليات”، التي ليس فيها من المسؤولية سوى الاسم للأسف.
من هنا، فإننا، وكل لبناني شريف ونقي لا مصلحة له إلا الاستقرار والتقدم لبلده وشعبه، لا يسعنا إلا أن نكون مع الدولة ومؤسساتها، ظالمة كانت أم مظلومة، في ظل هذه الظروف المصيرية التي يمر بها الوطن. فالظرف استثنائي ويندرج في إطار “إعادة التأسيس”، إذا صح التعبير، وفي الظروف الاستثنائية، المطلوب قرارات ومواقف استثنائية، لا يقدر عليها سوى رجال الدولة الحقيقيين، مدعومين بمواطنين حقيقيين، لا همّ لهم ولا غاية سوى مستقبل بلدهم وأولادهم، بعيدًا عن أية شعارات وإيديولوجيات قد تنفع في الظروف العادية، لكنها بالتأكيد تُعتبر في الظروف الاستثنائية ترفًا، لا يُسمن ولا يغني من جوع الناس إلى الحرية والاستقرار والتنمية المستدامة.


