سوء إدارة إيران لعلاقاتها مع لبنان: بين النفوذ والتدخلات والتداعيات السلبية

زكريا الغول

لطالما كانت العلاقات بين لبنان وإيران معقّدة ومتعددة الأبعاد، لكنها حتى الآن تُعدّ نموذجاً لفشل إيران في إدارة هذه العلاقة من منطق دولة إلى دولة تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. لم تستطع إيران أن تحافظ على قاعدة شعبية في لبنان، وتجاوزت دورها كدولة لتتحوّل إلى لاعب رئيسي في التدخلات السياسية والأمنية، مما أدى إلى تصاعد معاداة أغلبية اللبنانيين لها.

لبنان، كدولة صغيرة ذات تركيبة طائفية حساسة، يحتاج إلى علاقات دبلوماسية متوازنة تستند إلى احترام سيادة الدولة. إيران، بدلاً من بناء شراكة تقوم على الاحترام المتبادل مع لبنان كدولة ذات سيادة، اختارت مسار التدخل المباشر عبر دعم وتسليح “حزب الله”، وهو ما وصفه كثيرون بأنه تحكّم بالسلاح ودعم إيراني مباشر لشؤون لبنان الداخلية.

هذا الوضع خلق معادلة غريبة، حيث إن اللبنانيين لا يشعرون بأن إيران تتعامل معهم كشركاء أو كدولة مستقلة ذات سيادة، بل كحقل نفوذ إيراني يخدم أهدافها الإقليمية. النفوذ الإيراني في لبنان ليس فقط عبر “حزب الله”، بل يمتد إلى تأثيره على القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

بدءاً من تأسيس “حزب الله” المدعوم من إيران، والذي حوّل لبنان إلى ساحة حروب إقليمية، كانت النتيجة معاناة عظيمة للبنانيين بسبب الحروب المتكررة مع إسرائيل التي دمّرت البنية التحتية والاقتصاد، بالإضافة إلى خلق حالة من الانقسام السياسي الداخلي ونفوذ طائفي يعزّز سيطرة أحد الأطراف على حساب الدولة والمجتمع بأكمله.

إلى جانب ذلك، كانت إيران في قلب أزمات لبنان الاقتصادية عبر دعم “حزب الله” الذي يتحكّم بقرارات سياسية واقتصادية وإدارية مهمة، ما أدى إلى تعطيل الحكومات ومنع الإصلاحات الضرورية، فضلاً عن استخدام لبنان كمركز لعمليات غسيل الأموال والتهريب التي أضرّت بالاقتصاد اللبناني، وعزلت لبنان دولياً بسبب العقوبات المفروضة على النظام الإيراني وحزب الله.

منذ انتفاضة 2019، ظهرت شعارات تعادي إيران وأصبحت جزءاً من الخطاب العام في لبنان، تعكس مظاهر الغضب العارم من التدخل الإيراني في الشأن اللبناني. ويرى كثيرون أن “حزب الله” لا يمثّلهم بل يمثّل أجندة طهران الضيقة، وهو ما صنع هوّة كبيرة بين إيران وعدد كبير من اللبنانيين، وعزّز معاداة الإيرانيين في لبنان.

العديد من اللبنانيين عبّروا عن استيائهم عبر منصات التواصل الاجتماعي والمظاهرات الحاشدة، متهمين إيران باستخدام لبنان كأداة لتحقيق مكاسب إقليمية على حساب معاناة اللبنانيين. وقد طالبت أصوات لبنانية بقطع العلاقات مع إيران ووقف النفوذ الإيراني بحجة استعادة السيادة والكرامة الوطنية.

ومن أبرز عوامل سوء إدارة إيران لعلاقاتها مع لبنان، تسييس الطوائف والتمكين الحصري للطائفة الشيعية على حساب مكونات لبنانية أخرى، ما يعمّق الانقسام السياسي والاجتماعي ويعزّز احتمالات الاقتتال الطائفي الداخلي. إيران لا تدير علاقاتها مع لبنان بمنطق دبلوماسي مستند إلى الدولة والاحترام، بل بطابع أيديولوجي وطائفي، تستخدم من خلاله لبنان منصة لتصدير نفوذها وتوسيع مشروعها الإقليمي.

هذا الأسلوب في إدارة العلاقة أعاق قيام دولة لبنانية مستقلة قوية، وجعل لبنان أداة في يد طهران في معركة إقليمية أوسع، متجاهلة بذلك التوازنات السياسية اللبنانية والحساسيات التاريخية لطبيعة لبنان المتنوعة.

شهدت العلاقة بين البلدين توترات متكررة، آخرها منع لبنان طائرة إيرانية من الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي بناءً على تحذيرات أمنية دولية. هذا القرار أثار احتجاجات “حزب الله” المؤيد لإيران وأدى إلى توتر في العلاقة رسمياً وشعبياً، مؤكداً أن النفوذ الإيراني في لبنان لم يعد قدراً مقبولاً لدى الشارع اللبناني.

تلك التوترات الدبلوماسية كشفت سوء إدارة إيران لعلاقاتها مع لبنان، حيث لم تُبنَ علاقة واضحة تؤكد احترام السيادة اللبنانية، بل ظلت مرهونة بأجندات طهران الداخلية والخارجية التي انعكست سلباً على الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في لبنان.

إن استمرار إيران في نهجها الحالي يقود إلى تعميق الأزمة اللبنانية. هذا النهج لم يُمكّنها من بناء جسور ثقة مع المجتمع اللبناني وشعبه، بل أنتج حالة من النفور الواسع تجاهها.

لبنان اليوم يحتاج إلى شراكات تحترم سيادته واستقلاله، لا إلى علاقات تقوم على السيطرة والهيمنة. وهو ما يتطلب من إيران إعادة النظر في أسلوب تعاملها مع لبنان، والانتقال من منطق الدعم الطائفي والتدخل إلى التعاون القائم على الاحترام المتبادل لمصالح الدولتين وأمن شعبيهما.

إذا أرادت إيران استعادة صورة إيجابية وطبيعية في لبنان، فعليها احترام مؤسسات الدولة اللبنانية بكل مكوناتها، والابتعاد عن استخدام لبنان كساحة لتصفية حسابات إقليمية.

شارك المقال