الكفالة في لبنان بين الضمانة القانونية والعدالة الانتقائية: قراءة في ضوء قضية رياض سلامة

د. دعد ناصيف القزي

في لبنان، تشكل الكفالة إحدى أهم الوسائل القانونية التي توفّر توازناً بين حق الفرد في الحرية وحق الدولة في ضمان سير العدالة. فهي ليست عقوبة ولا غرامة، بل أداة تهدف إلى ضمان حضور المدعى عليه أمام القضاء طوال فترة المحاكمة، وتأمين التزامه بشروط الإخلاء المؤقت للسبيل.

وفق القانون، يمكن لقاضي التحقيق أو الهيئة القضائية إخلاء سبيل أي متهم مقابل كفالة مالية أو سند أو كفالة شخصية، على أن تُحدد قيمة الكفالة بحسب خطورة الجرم وظروف القضية. وتُودع الكفالة لدى صندوق المحكمة، لتبقى أمانة لدى الدولة إلى حين انتهاء المحاكمة، مع إمكانية إعادة المبلغ لصاحبه إذا التزم المتهم بالشروط، أو مصادرة الكفالة إذا أخلّ بها.

لكن التطبيق العملي للكفالة في لبنان يكشف تباينات واضحة. ففي القضايا العادية، قد يُرهق المواطن العادي بمبالغ تفوق قدرته المالية أو يُحرم من الاستفادة من هذا الحق، بينما في قضايا الشخصيات العامة وذوي النفوذ، يمكن أن يُمنح إخلاء سبيل سريع مقابل مبالغ مالية ضخمة، ما يثير جدلاً حول العدالة والمساواة أمام القانون.

وتبرز قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة نموذجاً معقداً. فبينما يواجه اتهامات محلية ودولية بالاختلاس وتبييض الأموال، جرى إخلاء سبيله مقابل كفالة مالية كبيرة. وحتى لو بدا المبلغ مرتفعاً قياساً بالقضايا العادية، يظل السؤال مطروحاً: هل يمكن للكفالة أن تعكس حجم الضرر الاجتماعي والاقتصادي الذي أصاب ملايين اللبنانيين جراء انهيار العملة الوطنية والاختلاسات المزعومة؟

هذه الحالة تعكس أزمة العدالة الانتقائية في لبنان. فإذا كان المواطن العادي يُحرم من حريته لفترة طويلة بجرائم بسيطة، فإن إخلاء سبيل مسؤول رفيع متهم بجرائم مالية جسيمة يعطي الانطباع بأن تطبيق القانون يعتمد على النفوذ والسلطة وليس على المساواة.

من هنا، يصبح من الضروري أن تراعي الكفالة في القضايا الكبرى خطورة الجريمة والضرر العام، لا مجرد القدرة المالية للمتهم. فالمساواة أمام القانون ليست مجرد شعار، بل التزاماً حقيقياً يجب أن يتجسد في كل قرار قضائي، وإلا تحولت الكفالة من ضمانة مؤقتة إلى وسيلة لشراء الحرية.

خلاصة القول: إن قضية رياض سلامة لا تقتصر على بُعد مالي أو اقتصادي، بل تطرح تساؤلات جوهرية حول نزاهة العدالة في لبنان وفاعلية القوانين التي يُفترض أن تضمن حماية حقوق الجميع، صغاراً وكباراً، أمام القانون.

شارك المقال