في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة جنوب لبنان إقبالًا متزايدًا على رياضة ركوب الخيل، التي كانت جزءًا من التراث اللبناني العريق. تعود جذور هذه الرياضة إلى العهد العثماني، حيث كانت الخيول تُستخدم في الحروب والمناسبات الاجتماعية. ومع مرور الزمن، أصبحت جزءًا من الهوية الثقافية للمنطقة.
اليوم، تُعتبر رياضة ركوب الخيل في الجنوب أكثر من مجرد هواية؛ فهي وسيلة للتواصل مع الطبيعة، وتعزيز اللياقة البدنية، وتعلّم الانضباط والاحترام. تنتشر العديد من المراكز والمدارس المتخصصة في تعليم هذه الرياضة، مما يتيح الفرصة للمهتمين من مختلف الأعمار والمستويات للمشاركة.
يقول هادي عون، الذي يملك إسطبلًا معروفًا لتربية الخيول وتعليم الفروسية في بلدة أنصار الجنوبية: “لم أدخل عالم الخيل من باب الرفاهية، بل من شغف تحوّل مع الوقت إلى مهنة. بدأت بحصان واحد، ثم اشتريت آخر لأخيّل مع أحد أصدقائي، وبعدها بدأت تدريجيًا أوسّع القطيع حتى صار عندي ستة أحصنة”.
ويشير إلى أن: “الحرب قلبت المعادلة، إذ فقدت حصانًا وبات العدد خمسة فقط. ورغم ذلك لم أتخلَّ عنهم، بل بقيت ملازمًا لهم في أصعب الظروف، أخاطر يوميًا بحياتي لأتنقّل إلى صيدا وأؤمّن لهم العلف. أقولها بفخر: لم أتوقف يومًا عن هذا الواجب مهما كانت المخاطر. هذه المرحلة كانت بالنسبة إليّ نقطة تحدٍّ وإصرار، جعلتني أتمسّك أكثر بعملي وأطوّره، حتى أصبح لدي اليوم عشرون حصانًا”.
ويلفت عون إلى أن: “التحديات لم تنتهِ بانتهاء الحرب. فالأزمة الاقتصادية الأخيرة ضاعفت الأعباء على كل من يملك إسطبلًا، إذ ارتفعت أسعار العلف أكثر من خمسة أضعاف، لتصل كلفة إطعام الخيول إلى ما لا يقل عن مئة دولار يوميًا، لأن كل حصان يحتاج إلى وجبتين أساسيتين ووجبة برسيم إضافية”.
ويؤكد أن: “كل حصان يحتاج أيضًا إلى تجهيزات خاصة مكلفة، وإلى عناية صحية دائمة، من متابعة بيطرية إلى تنظيف دوري أقوم به مرتين في الأسبوع”.
ويوضح أن: “أكثر ما يهدد حياة الأحصنة هو “الحمرة” والمغص اللذان قد يؤديان إلى وفاتها، وبما أن الحصان يتعرّض لمشاكل صحية، فهذا يفرض عليّ أن أكون ملمًّا ببعض الإجراءات الطبية إلى جانب متابعة الطبيب البيطري، إذ أهتم بكافة العلاجات الميدانية فيما البيطري يتكفّل بكل ما هو جراحي”.
ويرى عون أن: “رغم كل هذه التكاليف، لا يزال الإقبال على ركوب الخيل في أنصار جيدًا، إذ يزورني أشخاص من مختلف المناطق، بعضهم يضعون أحصنتهم عندي للعناية بها، وآخرون يتعلمون أساسيات الفروسية. وأنا لا أرفض أي شخص يرغب بالركوب حتى لو لم يكن قادرًا على الدفع، لأنني مؤمن بأن الخيل يجب أن يبقى شغفًا متاحًا للجميع، لا رفاهية لفئة محدودة. هكذا يستمر إسطبلي شاهدًا على علاقة خاصة بيني وبين أحصنتي، وعلى صمود أبناء الجنوب مع خيلهم وسط الحرب والأزمات”.
تركت الحروب والأزمات الاقتصادية أثرها العميق على حياة الناس، ويجد بعض الشبان متنفسهم على ظهور الخيول. أحدهم ويدعى أحمد، يروي عبر “لبنان الكبير” تجربته مع الخيل، فهو يخيّل في أكثر من إسطبل أو كما يسميه “مزرعة” في صور، النبطية، زفتا وأنصار. يقول: “لحظة امتطاء الحصان تمنحني إحساسًا نادرًا بالحرية والانفصال عن الواقع المثقل بالضغوط اليومية، وكأن الطبيعة تمتد أمامي بمساحة مفتوحة للتنفس واستعادة التوازن النفسي والجسدي”.
ويشير إلى أن: “الفروسية لم تعد مجرد رفاهية، بل صارت في السنوات الأخيرة نشاطًا متناميًا يجذب الشباب والصبايا وحتى العائلات، لتصبح جزءًا من المشهد اليومي في بعض بلدات الجنوب. ويمكن أن نسمي هذه الرياضة “تراند الموسم” والأكثر تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن والأصدقاء نتنافس على مَن يصمّم الفيديو الأجمل ويحصل على أكبر نسبة من الإعجاب”.
مضيفًا: “هذه الفيديوهات كانت سببًا مباشرًا لأن أبدأ ممارسة هذه الرياضة، وفعلاً بدأت التمرين قبل الحرب، وبعد توقفها عدت إلى التدريب، إذ أنهيت أكثر من تسع حصص داخل الإسطبل قبل أن أتمكن من الخروج إلى الشوارع واستعراض مهاراتي”.
لافتًا إلى أن: “اليوم، أُخيّل على البحر، وأواكب المسيرات المحلية، كما أنظّم مع أصدقائي من مناطق مختلفة نزهات تمتد عبر عدة مناطق في الجنوب، ما جعل الفروسية تجربة متكاملة بين المتعة البدنية والاجتماعية”.
ويؤكد أن: “ركوب الخيل ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل علاقة حميمة تُبنى على الثقة والتفاهم مع كائن حساس وذكي، تعزّز صبر الفارس وقوته الداخلية. ورغم أن تكلفة التدريب والتغذية والرعاية مرتفعة، تبقى بعض الإسطبلات متاحة للجميع من دون عوائق مادية كبيرة، ليبقى الخيل متنفسًا حقيقيًا لأبناء الجنوب ودليلًا على قدرتهم على تحويل الأزمات إلى فرصة، والضغوط إلى مساحة حياة”.
ويضحك مازحًا قائلًا: “إن كثرة الأزمات الاقتصادية قد تجعل الخيل يحلّ مكان السيارة، ووحده الخيّال سيكون قادرًا على التنقل في المستقبل”.
“علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل”… مقولة تربّينا عليها، لكنها اليوم لم تُطبّق كما يجب. فالسباحة تراجعت في المدارس والنوادي، والرماية استُبدلت في الغالب بالسلاح، أما الخيل فابتعد الناس عنه ولجأوا إلى السيارة كوسيلة تنقّل أساسية وإلى الدبابات في الحروب. ومع ذلك، بدأت الفروسية في السنوات الأخيرة تستعيد حضورها تدريجيًا في بعض مناطق الجنوب، حيث أصبح ركوب الخيل نشاطًا تعليميًا وترفيهيًا يشجع الشباب والأطفال على ممارسة هذه الرياضة، التي تعلّم الصبر والانضباط، والتواصل مع الطبيعة، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية.


