في الجنوب، لا يزال الركام يتصدّر المشهد رغم مرور أشهر على توقف الحرب، ورغم إجراء عدة مناقصات لرفعه. وبالنسبة إلى الأهالي، لم يعد الركام مجرد حجارة متناثرة أو بقايا منازل مهدّمة، بل بات الشاهد الوحيد المتبقي على حرب نسفت بيوتهم وحياتهم. لذلك يرفضون إزالته ما لم تترافق هذه الخطوة مع انطلاق عملية إعادة الإعمار، معتبرين أن رفع الركام وحده لن يغيّر شيئًا من واقعهم. لكن، وبسبب الظروف السياسية والاعتبارات المعقّدة الأخرى، لا يزال ملف إعادة الإعمار عالقًا في المجهول، ما يزيد من قلق السكان ويتركهم أمام انتظار طويل بلا أفق واضح.
في مارون الراس، أصدر الأهالي بيانًا أعلنوا فيه رفضهم إزالة الركام باعتباره الشاهد الوحيد على الحرب، مؤكدين أن أي خطوة لإزالته من دون البدء بالإعمار ستُعدّ التفافًا على حقهم الطبيعي في استعادة منازلهم وحياتهم.
تقول فاطمة، وهي مواطنة من مارون الراس، لموقع “لبنان الكبير”: “إزالة الركام في هذه المرحلة لا يمكن أن تكون خطوة مقبولة. لا توجد أي ضمانات حقيقية تؤكد أننا سنعود إلى بلداتنا، ولا أرى شيئًا ملموسًا يعطينا الأمل بإعادة إعمار منازلنا. الركام يمكننا أن نرفعه في أي وقت، لكن بالنسبة إلينا لا معنى لإزالته ما لم يترافق ذلك مع انطلاق عملية الإعمار مباشرة، وإلا ستبقى الخطوة مجرد إجراء شكلي لا يغيّر شيئًا من واقعنا”.
وتضيف: “ما يزيد من مخاوفي هو أن العدو يبدو المستفيد الأول من هذه الخطوات، إذ يشعر بالارتياح حين يرى الأرض تُنظَّف، فيستغل الأمر لتوسيع حركته. قبل أيام قليلة فقط، رأيت بأم عيني كيف دخلت قواته إلى أرض مارون من جهة الغابة، حيث شرعوا في توسيع الطريق وفتح ممرات جديدة، بما يمنحهم قدرة أكبر على التنقل بحرية”.
وتؤكد: “إزالة الركام يجب أن تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار وضمان العودة، لا مجرد عمل مؤقت يُترك بعدها الناس لمصيرهم. نحن بحاجة إلى رؤية واضحة وخطة فعلية تعكس تطلعاتنا وآمالنا، وإلا فلن يكون لهذه الجهود أي جدوى”.
وعلى عكس مارون الراس، فإن الركام في بلدة عيترون سيبقى لأسباب مختلفة. إذ تحذّر البلدية من خطورة المباشرة بأي عملية رفع أو حفر نتيجة وجود مخلفات الحرب من صواريخ ومتفجرات في الأبنية والمواقع، ما قد يشكّل خطرًا مباشرًا على صحة وسلامة المواطنين. لذلك شددت بلدية عيترون، في تعميم أصدرته، على أن المسؤولية كاملة تقع على عاتق مالكي الأبنية وأصحاب الحفارات والجرافات في حال حدوث أي أضرار ناجمة عن هذه المخلفات، داعيةً إلى التنسيق مع الجهات المختصة قبل القيام بأي عمل حفاظًا على السلامة العامة.
يعيش أهالي عيترون حالة من الترقب المستمر بين إرث الحرب وضرورة إعادة الحياة إلى منطقتهم. يقول أحد سكان البلدة: “الركام الذي يغطي شوارعنا هو شاهد على الحرب وما عانيناه، ولا يمكننا نسيانه أو التخلص منه كليًا، لكن الوقت حان لنستعيد حياتنا. إزالة الركام ليست مجرد مسألة تنظيف، فأي خطوة لإزالته قد تجعل العدو أكثر قدرة على التوغّل، ولا يمكن أن نكون نحن من يسهل له مبتغاه”.
ويضيف: “لمواجهة هذا الواقع، يضاف الخطر المستمر للألغام وبقايا المتفجرات التي خلفها العدو، ما يجعل أي محاولة للفتح أو إعادة الإعمار مهمة محفوفة بالمخاطر. وفي الوقت نفسه، يستهدف العدو كل جرافة تحاول إزالة الركام أو فتح الطريق، ما يحوّل مهمة إعادة الحياة الطبيعية إلى تحدٍّ شبه مستحيل”.
ورغم كل هذه المخاطر، يبقى الأمل حاضرًا في نفوس الأهالي. إذ يشير المواطن نفسه: “لقد أرهقنا التهجير وفقدان منازلنا، ونريد أن تبدأ إعادة الحياة إلى المناطق الأمامية، لتصبح مثل باقي الجنوب الذي نهض من تحت الركام ونفض غباره وعاد إلى الحياة”. ويوجه نداءً صريحًا إلى الدولة والمعنيين بضرورة التدخل وإيجاد حلول آمنة لإزالة الركام وإعادة إعمار المنطقة بعد التخلص من العدو وطرده من النقاط التي يستحدثها على الأرض. ويختم: “طالما هو موجود، فنحن غائبون عن أرضنا. فلا تدعوه يسرح ويمرح على تراب الوطن”.
هكذا يبقى الركام في مارون الراس وعيترون والمناطق الأمامية شاهدًا على الحرب وعائقًا أمام الحياة في آن واحد. الأهالي يريدون الإعمار والعودة، لكن العدو والسياسة يعرقلان أحلامهم. وما لم تتحرك الدولة والمعنيون، ستبقى هذه المناطق أسيرة الركام بدل أن تنهض من تحته كما فعلت بلدات أخرى مجاورة.
فهل ستعود الحياة إلى المناطق الحدودية، أم أن الحسابات السياسية ستبقيها رهينة الركام لشهور أو حتى لسنوات؟


