الإمارات ولبنان علاقة تتجدد مع تعيين فهد الكعبي سفيراً في بيروت

لبنان الكبير

في عالمٍ تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه المصالح، تبقى بعض العلاقات ثابتة الجذور ومتجذرة في القلوب، مثل العلاقة التي تربط لبنان والإمارات العربية المتحدة. هذه العلاقة، التي بُنيت على التضامن الإنساني والدعم المتبادل منذ أكثر من خمسة عقود، تعيش اليوم مرحلة جديدة مع تعيين فهد سالم سعيد محمد الكعبي سفيرًا جديدًا لدولة الإمارات في بيروت.
إذ إن هذا التعيين يُمثل تجديدًا لالتزام الإمارات بمساندة لبنان، ليس فقط عبر الديبلوماسية، بل أيضًا عبر الدعم الإنساني والإغاثي، واستمرار العمل المشترك من أجل مستقبل مزدهر للبلدين.

وهنا لا بد من التطرق إلى هذا التعاون الذي لم يتوقف يومًا، وإلى المساندة التي قدّمتها الإمارات للبنان، إذ كانت البداية مع الشيخ زايد ورؤية التأسيس. فمنذ تأسيس دولة الإمارات عام 1971، حرصت القيادة الإماراتية على مدّ جسور التعاون مع لبنان. وفي تصريح مؤثر عام 1973، لا يمكن تناسي كلام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عندما قال: “لبنان بلد عزيز علينا، ولن نتأخر عن مساعدته في محنه”.

وبالتالي، شكّل هذا الموقف حجر الأساس لعلاقة قوامها الأخوة والتضامن العربي، وعكس رؤية الشيخ زايد بأن لبنان جزء لا يتجزأ من النسيج العربي.

وفي الوقت عينه، ومن الجانب اللبناني، كان يدرك الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن الإمارات ستبقى إلى جانب لبنان، إذ عبّر الحريري في عام 1998 عن امتنانه لدور الإمارات قائلاً: “الإمارات لا تبني حجارة فقط، بل تصنع أملاً لشعوبنا”.
ولعل العبارة الشهيرة التي تُتداول حتى اليوم هي: “كنا نتمنى أن تكون أبوظبي مثل بيروت”. وهو حلم تحقق لاحقًا حين أصبحت أبوظبي نموذجًا للتطور، وبقي لبنان في وجدان الإماراتيين.

أما عن المحطات الإنسانية البارزة في تاريخ العلاقة بين لبنان والإمارات، فلم تغب يومًا المواقف الإنسانية التي أكدت أن الإمارات داعمة للبنان. فمنذ العقود الماضية، مررنا بسلسلة محطات أثبتت أن الإمارات كانت وستبقى الداعم للبنان، ولعلّ أبرزها كان في الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، عندما أرسلت الإمارات مساعدات غذائية وطبية عبر الهلال الأحمر الإماراتي. مرورًا بمحطة اتفاق الطائف (1989)، عندما لعبت الإمارات دورًا في إعادة الإعمار ودعم الاستقرار السياسي.

ومن اتفاق الطائف إلى وقوفها إلى جانب اللبنانيين خلال حرب تموز 2006، وذلك عندما أطلقت حملة وطنية إغاثية شاملة، وساهمت في إعادة إعمار عدة قرى ومناطق مدمرة.

ولم تنتهِ هنا، فعند انفجار مرفأ بيروت في العام 2020، كانت الإمارات من أوائل الدول التي أرسلت طائرات محمّلة بالمساعدات الطبية والمواد الإغاثية.

وفي الحرب الأخيرة التي عاشها لبنان في العام 2024، أطلقت دولة الإمارات حملة إنسانية ضخمة بعنوان: “الإمارات معكِ يا لبنان – UAE Stands with Lebanon”. وشملت الحملة مساعدات متواصلة برًا وجوًا وبحرًا، وحققت نتائج غير مسبوقة: ففي 5 تشرين الأول 2024، تم انطلاق الحملة بوصول أول طائرة تحمل 40 طنًّا من المساعدات الطبية.
وبعد أيام، وتحديدًا في 11 تشرين الأول 2024، كانت الرحلة التاسعة محمّلة بـ 37 طنًّا من المواد المخصصة للأطفال والنساء. وفي 12 تشرين الأول، جرى إشراك 4000 متطوع في تجهيز 10,000 حزمة إغاثية بإجمالي 200 طن.
أما في 25 تشرين الأول 2024، فتم وصول سفينة بحرية إلى مرفأ بيروت تحمل 2000 طن من المواد الغذائية ومعدات الإيواء.

وفي 1 تشرين الثاني 2024، تم إرسال الطائرة الخامسة عشرة ليصل إجمالي المساعدات إلى 2,772 طنًّا من المواد الغذائية والطبية.

كما تبرّع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمبلغ 100 مليون دولار، ووجّه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتقديم مساعدات عاجلة تصل إلى 250,000 شخص.
وكل هذه الحملة تؤكد أن الإمارات شريك إنساني موثوق للبنان، تقف معه في الأزمات كما في أيام السلم.

أما اليوم، وفي ظل التغييرات الإيجابية التي بدأت تُرسم ملامحها في العهد الجديد، يُعدّ تعيين فهد الكعبي فصلًا جديدًا من التعاون، نظرًا لما يُمثّله السفير فهد سالم سعيد محمد الكعبي من امتداد لهذه المسيرة، حيث يركّز في مهمته على تعزيز التعاون الاقتصادي والسياحي، وتطوير الشراكات في الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى دعم المشاريع التعليمية والثقافية المشتركة، والحفاظ على البُعد الإنساني في العلاقة بين البلدين.

وأمام كل هذا التاريخ الحافل بالارتباط الوثيق بين لبنان ودولة الإمارات، لا يمكن القول إلا إن هذا التاريخ يعبّر عن عمق الشراكة الإنسانية المتجذّرة بين الدولتين، خاصةً وأن العلاقات بين لبنان والإمارات لم تكن مجرد علاقات ديبلوماسية، بل هي قصة أخوة وتضامن تمتد عبر عقود، كُتبت بتضحيات ومواقف قيادية عظيمة.

وبالتالي، مع تعيين السفير فهد الكعبي، تُفتَح صفحة جديدة عنوانها الأمل والعمل، حيث تبقى أبوظبي وبيروت شريكتين في بناء مستقبل مشترك، يجمع بين التنمية والدعم الإنساني.

شارك المقال