مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في لبنان، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل العملية الانتخابية شاملة حقاً لكل المواطنين، أم أنها ما زالت تستثني فئات واسعة وعلى رأسها الأشخاص ذوو الإعاقة؟ ورغم أنّ القانون 220/2000 يضمن لهم حق الاقتراع والترشّح، إلا أنّ الواقع يكشف عن فجوة صارخة بين النصوص والتطبيق. فمئات مراكز الاقتراع غير مجهّزة هندسياً، ومواد التوعية الانتخابية نادراً ما تُقدَّم بلغة الإشارة أو بصيغ ميسّرة، فيما يضطر كثير من الناخبين إلى الاعتماد على مرافقين غير مدرَّبين، ما يهدّد سرية اقتراعهم وكرامتهم.
وقد أكد تقرير بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات لعام 2022 أنّ الوصول إلى العديد من المراكز كان صعباً أو مستحيلاً، بينما وثّقت هيومن رايتس ووتش أنّ عدداً كبيراً من الناخبين ذوي الإعاقة حُرموا من التصويت المستقل.
وفي الانتخابات الماضية، برزت قصة شاب يستخدم الكرسي المتحرك اضطر أن يُحمل على الأدراج للوصول إلى قلم الاقتراع، في مشهد صادم يلخص عمق الأزمة. الحلول واضحة وتتطلب تعديلات جذرية على القانون الانتخابي. أولاً، إلزام تجهيز جميع مراكز الاقتراع بمداخل ومصاعد ومرافق صحية مناسبة، لضمان وصول الناخبين ذوي الإعاقة الحركية.
ثانياً، توفير مواد تثقيفية متعددة الصيغ: بلغة الإشارة، بخط كبير، وبنسخ صوتية ومبسّطة، بما يضمن وصول المعلومات للجميع. ثالثاً، إدخال خيار التصويت من المنزل أو عبر لجان متنقلة للأشخاص غير القادرين على التنقل، مع آليات تضمن سرية الاختيار. أما في ما يتعلق بالترشّح، فيجب إزالة أي عوائق قانونية أو لوجستية، وتأمين الدعم التقني لتنظيم الحملات بشكل متكافئ.
وإلى جانب ذلك، من الضروري تدريب موظفي الأقلام على احترام سرية التصويت، وتوفير أدوات مثل القوالب البارزة للمكفوفين أو أجهزة تكبير الخط. كما يُفترض إنشاء هيئة إشراف مستقلة لمتابعة هذه القضايا وفرض العقوبات على أي تقصير، مع تخصيص اعتمادات مالية واضحة في الموازنة العامة لضمان استدامة التنفيذ. ولأننا نعيش في عصر التحول الرقمي، يمكن أن يشكّل إدخال الحلول التكنولوجية الآمنة نقلة نوعية: بطاقات اقتراع إلكترونية للمكفوفين، تطبيقات مخصصة لتوجيه ذوي الإعاقة السمعية، وأنظمة رقمية تسهّل التسجيل والترشح.
هذه الإجراءات لا تعزز المشاركة فحسب، بل تختصر الكلفة والوقت وتدفع لبنان نحو نموذج انتخابي عصري. على المستوى الدولي، يُلزم لبنان باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) التي صادق عليها عام 2007، والتي تنصّ في مادتها 29 على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة السياسية على قدم المساواة مع الآخرين. وهذا يعني أن أي تقصير في تعديل القانون الانتخابي أو في توفير التسهيلات المطلوبة يُعتبر إخلالاً بالتزامات لبنان الدولية، ويضع صورته الديمقراطية على المحك. البعد الاجتماعي–الاقتصادي لا يقل أهمية.
فتمكين ذوي الإعاقة من المشاركة في الانتخابات يعزز اندماجهم في الحياة العامة، ويمنح المؤسسات السياسية شرعية أوسع، ويُسهم في بناء ثقة أكبر بين المواطن والدولة. وكما عبّر الناشط اللبناني في مجال الحقوق المدنية محمد الشامي: “لا نريد معاملة خاصة، بل معاملة متساوية. صندوق الاقتراع يجب أن يكون مفتوحاً للجميع من دون استثناء.”
تجارب دولية عدّة تثبت إمكانية تحقيق الشمولية عبر التصويت بالبريد أو الوكالة، واعتماد مراكز اقتراع متنقلة، واستخدام تقنيات مساعدة متنوعة. لبنان لا يفتقر إلى الحلول بل إلى الإرادة السياسية لتطبيقها. فإصلاح القانون الانتخابي لم يعد خياراً بل استحقاقاً، وامتحاناً لجدية الدولة في أن تكون دولة مواطنة حقيقية. ولا ديمقراطية بلا مشاركة كاملة، ولا شرعية لانتخابات تستثني فئة من مواطنيها.


