التاريخ السريّ لهزائم العقل

نزار عثمان السمندل

أطلّ غوستاف لوبون في كتابه “الآراء والمعتقدات”، كجرّاح يفتح صدر الوعي وهو ما يزال يتنفس. يجلس على كرسي الفيلسوف حيناً، ثم ينقضّ بالمبضع على لحم الفكرة الحي. لا يطارد الحقيقة في صفائها المجرّد، بقدر ما يلاحق الإنسان وهو يختار وهماً يطلق عليه اسم “الحقيقة”.  أطروحاته ليست تأملات ملساء، وإنما ضغط مباشر على الجرح: لماذا نؤمن؟ ولماذا نتشبث بآرائنا كما يتشبث الغريق بخشبة مهترئة؟

الكتاب يقود القارئ بعيداً عن مرفأ الطمأنينة، ويزجّه في دوامة الشك. لا ينهض ليعرّفك بمؤلفه العظيم—الذي كان يكفيه أن يكتب سيكولوجية الجماهير ليخلّد اسمه—بل ليرفع أمامك مرآة تواجه فيها نفسك. 

هنا تكتشف أن الرأي ليس اختياراً حراً بقدر ما هو خضوع لهواجس دفينة؛ وأن الإيمان يولد في أقبية الخوف أكثر مما يولد في فضاءات العقل.

في تسعة فصول يرسم لوبون الحدود بين المعرفة والمعتقد: الأول سؤال متجدد يفتح أبواب الشك، والثاني جواب مطمئن يسدّها بأجوبة سهلة، حتى وإن كانت زائفة. الرأي عنده ليس ثمرة حوار داخلي، بل صدى للجماعة، ارتجاع للماضي، وانتماءٌ إلى وهم الطمأنينة. نحن نؤمن لأننا نتألّم، ونتمسك بآرائنا لأنها تمنحنا وجهاً ثابتاً أمام مرآة الذات. وكأن قدر الإنسان أن يعشق أوثانه الفكرية أكثر مما يعشق الحقيقة نفسها.

ولم يكتف لوبون بالمجردات، بل مضى إلى منابع الرأي: الخوف، التكرار، التقليد، الرغبة في السيطرة، الحنين إلى الانتماء. غرائز ساكنة في الظل، لكنها المحرك الحقيقي للمسرح. الإنسان لا يفكر بقدر ما يُقاد، وغالباً لا يقول ما اكتشفه، بل ما أراد أن يصدقه. أما الرأي الفردي فهو كائن عضوي يولد في الطفولة، يتغذى من التجارب، ويتشكل في بيئة مليئة بالإيحاءات. إنه نتاج الأسرة والجماعة والذاكرة والخوف من العزلة، حتى يكاد “رأيي” أحيانًا يكون “رأي غيري الذي استوطنني”.

لكن الخطر الأكبر يتجلى في الرأي الجماعي؛ حيث تتحول الفكرة إلى سيف، والمعتقد إلى جيش، والقناعة الشخصية إلى يقين جماهيري محصن ضد الشك. الجموع تنفعل أكثر مما تفكر، وتبحث عن التكرار والإجماع والصوت العالي أكثر مما تبحث عن البرهان. وفي خاتمة الرحلة يتأمل لوبون كيف تنتقل الآراء من جيل إلى جيل لتستقر في اللاوعي الجمعي للأمم، فتغدو عادات فكرية وأسوارًا غير مرئية تطوّق العقل من الداخل.

“الآراء والمعتقدات” كتاب يفضح، لا يعلّم. يكشف في قسوة كم من “قناعاتك” ليست لك، وكم من “معتقداتك” ليست سوى هروب من مواجهة الحقيقة العارية. يقيمك أمام أسئلة لا مهرب منها: هل تؤمن لأنك بحثت، أم لأنك خفت؟ هل رأيك رأيك، أم مجرد صدى لصوت الجماعة؟ وهل تملك شجاعة أن تخلع المعتقد حين تطلب الحقيقة أن تمشي حافية في دربها؟ ذلك هو الامتحان. ولهذا يظل كتاب غوستاف لوبون ضرورة لكل من يجرؤ على التفكير… حقاً.

شارك المقال