أكثر من 1200 غارة إسرائيلية استهدفت الجنوب في 23 أيلول 2024، خلّفت نحو 500 شهيد ومئات الجرحى، ودمّرت مئات الوحدات السكنية، في يوم اعتُبر الأكثر دموية في تاريخ حروب لبنان. ومع مرور عام، لا تزال الاعتداءات تتوالى، تاركةً خلفها دمارًا واسعًا وخسائر بشرية ومادية جسيمة، فيما يبقى الجنوب، ولا سيما منطقة ما بعد الليطاني، الأكثر تضررًا.
في الذكرى السنوية الأولى، يبدو المشهد في الجنوب مزدوجًا: فالمناطق الحدودية ما زالت غارقة في الدمار، أما المناطق القريبة منها فتعافت جزئيًا. وبعد عام على الحرب، لا يزال كثير من الجنوبيين يعيشون “غربة في الوطن”، إذ لم يتلقَّ الجميع التعويضات الكافية، فيما عاد البعض إلى منازلهم غير المكتملة الترميم. أما البنى التحتية فقد صُيّنت في غالبية المناطق، باستثناء تلك التي دُمّرت بالكامل.
ويؤكد مصدر مقرّب من الحزب لـ”لبنان الكبير” أنّ “ملف الوحدات السكنية وأعمال الإعمار يسير وفق آليات محددة، إذ يحصل أهالي نحو 31 قرية على بدل إيواء كل ثلاثة أشهر بشكل جماعي، إضافة إلى حصص غذائية وتموينية ومساعدات شهرية تتراوح بين 150 و200 دولار للفرد تبعًا للعمر والاحتياجات، فضلًا عن الأدوية والمستلزمات الطبية الموزّعة بشكل دوري”.
ويشير إلى أنّ “التعويضات حتى الآن شملت البيوت والإيواء والأضرار الكلية والجزئية، فيما لم يتقاضَ أصحاب المؤسسات والمصالح والسيارات والأراضي أي مبالغ بعد. وفي بعض القرى تكفّل أهل الخير بتقديم مساعدات مالية ريثما تُصرف الشيكات”.
ويضيف المصدر أنّ “الاعتراضات على نتائج الكشف الأولي يُعاد النظر فيها من خلال مهندسي اللجنة المركزية، ولا تُرفض إلا إذا تبيّن أنّها كيدية. وقد صُرفت الدفعة الأولى من شيكات الترميم بنسبة 80% في معظم القرى، بينما خُصّصت النسبة المتبقية (20%) لملفات الاعتراضات، حيث بلغت قيمة بعض الشيكات أكثر من خمسة آلاف دولار”. لافتًا إلى أنّ الحزب لم يتولَّ الإعمار مباشرة، بل ساهم في تغطية بعض التكاليف، خصوصًا ما يتعلّق بالبنى التحتية الكهربائية، إذ دُفعت مستحقات لشركة “مراد” المتعهّدة مع مؤسسة كهرباء لبنان لتغطية كابلات رئيسية ومحطات، تحت إشراف المؤسسة الرسمية. وفي القرى التي شهدت تقصيرًا، سُلّمت الأموال للجهات المحلية كي تتولى التنسيق مع الشركة”.
ويوضح أنّ “هذه الآليات طُبّقت خصوصًا في منطقة جبل عامل الأولى، أي الخطوط الأمامية والثانية المحاذية للحدود، وتشمل أقضية صور وبنت جبيل واتحادات بلدياتها. أما في خط بعلبك – الهرمل، فلم تُصرف سوى مبالغ للترميم الجزئي، بينما المباني التي تحتاج إلى ترميم شامل لم تُدفع تعويضاتها بعد”.
وبشأن التعويضات الزراعية، يؤكد أنّها “سُجّلت وقُيّمت وأُدرجت أسماء المستفيدين لدى الحزب، لكنها لم تُصرف بعد بانتظار التعاون مع مجلس الجنوب. وفي حال غياب الهبات الدولية أو التمويل عبر الدولة، سيغطي الحزب هذه التعويضات مباشرة، على أن يُحسم القرار النهائي في أواخر عام 2025”. ويشير أيضًا إلى أنّ “موجة الدفع الثانية توقفت في 5 آب، ومن المتوقع استكمالها في نهاية الشهر الحالي، لكن أي عملية صرف تحتاج إلى ميزانية لا تقل عن مليار دولار، نظرًا لوجود مؤسسات ومصالح لها مخصّصات ثابتة. أما وضع المياه فيُعتبر أفضل بكثير من الكهرباء، إذ توفّرت الشبكة في معظم القرى عبر تعاون مصلحة مياه لبنان مع البلديات، فيما أصلحت “جهاد البناء” عددًا من الآبار عبر تحرير شيكات للبلديات المستحدثة”.
من جهته، يؤكد رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر لـ”لبنان الكبير” أنّه بعد مرور سنة على توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان في أيلول 2024، تولّت اللجنة الأساسية مهمة تلبية حاجات الأهالي في الجنوب والبقاع الغربي من خلال تأمين بدلات الإيواء والمساعدات بشكل يومي، ومتابعة القدرة الاستيعابية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. ويشير إلى أنّ القرارات التي صدرت آنذاك شملت:
إزالة ركام المنازل المتضررة بالكامل وإزالة الأنقاض من الطرقات وإعادة تأهيلها.
إنجاز حملة واسعة لإزالة الركام بدأت بتاريخ 23/9/2024 في قرى وبلدات الجنوب والبقاع الغربي، حيث رُفع الركام وأُخرجت الردميات بمشاركة متطوعين وفرق متخصصة، وقد أُنجزت العملية بنسبة 90%، فيما تواصل الفرق استكمال الباقي.
تأمين عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم عبر توفير المستلزمات الضرورية.
مسح أضرار الشبكات الكتلية والكهربائية في الجنوب والبقاع الغربي، وقد أُنجز العمل وهو في مرحلة التدقيق.
إعادة إعمار المدارس الرسمية المتضررة، حيث أُعيد ترميم نحو 125 مدرسة خلال أيام معدودة في الجنوب والبقاع الغربي وزحلة
إنشاء مراكز بديلة عن المدارس وتجهيز نحو 155 مبنى من مباني البلديات والمستشفيات ومراكز الإرشاد، إضافة إلى مستشفيات بنت جبيل وتبنين وحاصبيا والنبطية، وسراي النبطية وسراي تبنين وجبل عامل وغيرها من المباني الرسمية.
أما “العوائق التي حالت دون تنفيذ المطلوب كاملاً، لا سيما التعويض عن المنازل والمؤسسات المتضررة”، فيوضح حيدر أنّ السبب الأساسي هو عدم توافر الاعتمادات المالية اللازمة، ما أعاق استكمال عملية التعويض وتنفيذ الخطة الموضوعة بكاملها”.
وبعد مرور عام على الحرب، تتقاطع معاناة الجنوبيين بين الصبر على الخسائر وانتظار التعويضات والخوف من جولة جديدة من العدوان. إذ إنّ ملف إعادة الإعمار يُعتبر مطلبًا أساسيًا للجنوبيين، لكنه لا يزال مرتبطًا بالمسار السياسي وبالمفاوضات التي يتقدّمها ملف سلاح حزب الله. أما الأموال المطلوبة قياسًا بحجم الخسائر في الوحدات السكنية والبنى التحتية فتفوق قدرة الدولة، في حين تحدّ القيود الأمنية من قدرة الحزب على تقديم التعويضات. ويبقى الدعم الخارجي ضروريًا لانطلاق ورشة الإعمار، لأن المهمة كبيرة وتحتاج إلى تعاون دولي، ما يجعلها رهينة الاعتداءات المستمرة والسياسة.
فهل يلتئم جرح الجنوب ويعود إليه الأمل، أم يبقى دائمًا ساحة انتظار؟


