وسط التحوّلات الكثيرة والكبيرة التي يشهدها الشرق الأوسط، تبرز ملامح تحالفات استراتيجية جديدة ستخلط أوراق النفوذ في المنطقة ككل، ما يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تغيّراً في موازين القوى، بعد سنوات من الفوضى والتفوّق الإسرائيلي اللافت. ومن المفترض أن تأتي هذه التحالفات في سبيل الوصول إلى استقرار سياسي وأمني.
فالتقارب التركي ـ المصري المتسارع، على المستويين السياسي والعسكري، يلفت أنظار مختلف القوى، ولا سيّما إسرائيل، التي تتابع بقلق التطور السريع في العلاقات بين الأتراك والمصريين. فقد شهدت الأيام الماضية تكريس هذا التقارب عبر مناورات جوية وبحرية مشتركة، تحت اسم “بحر الصداقة”، هي الأولى منذ 13 عاماً.
“بحر الصداقة”
هذه المناورة ليست جديدة، بل انطلقت بين مصر وتركيا عام 2009، وكانت تعكس التقارب والوفاق ورفع مستوى التنسيق في البحر الأبيض المتوسط، إلى أن توقفت عام 2013 نتيجة توتر العلاقات بين البلدين. واليوم، يجري إحياؤها من جديد، في إشارة واضحة إلى إعادة تفعيل التعاون. أما اسمها، فيرمز إلى البعد الودي والتعاوني الذي طبع العلاقة بين البلدين لسنوات.
وشهدت المناورة مشاركة بارزة لقطع بحرية من الجانبين، أهمها الفرقاطتان المصريتان “تحيا مصر” و”فؤاد ذكري”، ومن الجانب التركي الفرقاطتان “تي جي غي الريس عروج” و”تي جي غي غيديز”، إضافة إلى الزورقين الهجوميين “تي جي غي إيمبات” و”تي جي غي بورا”، والغواصة “تي جي غي غور”، إلى جانب طائرتين من طراز “إف-16”.
تعاون رفيع
تُصنّف البحريتان التركية والمصرية من الأقوى والأكبر في البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي، فإن هذا التعاون يعزّز قدرات البلدين ويرتقي بالعلاقات العسكرية بينهما إلى مستوى متقدّم، قد ينسحب على بقية المجالات. فالمناورة ليست مجرد تدريبات تقليدية، بل خطوة من شأنها أن تنعكس على التبادل التجاري والاقتصادي، والتعاون الأمني والسياسي. كما يشمل هذا التعاون مراقبة المناطق الاقتصادية، مكافحة القرصنة، تنفيذ عمليات البحث والإنقاذ، حماية محطات الطاقة البحرية وتأمين الأنشطة المدنية.
إسرائيل
يرى البعض أن هذه المناورات تحمل رسالة مباشرة إلى إسرائيل، في ظل تعاظم نفوذها وقوتها في المنطقة، خصوصاً أنها تخوض حرباً على أكثر من جبهة. فالرسالة قد تُقرأ كإنذار بأن هناك دولتين تملكان قدرات عسكرية رادعة، ومستعدتين لأي مواجهة أو استهداف، ولهما دور أساسي في معادلات الإقليم.
فإسرائيل ترسّخ تحالفات وتعاوناً مع دول تُثير حفيظة كل من مصر وتركيا، وتحديداً اليونان وقبرص، سواء في ما يتعلق بترسيم الحدود البحرية أو الموارد المشتركة في المتوسط. ولا يمكن إغفال نشر إسرائيل أنظمة دفاع جوي في قبرص، إضافة إلى التصرفات اليونانية في بحر إيجه. وبذلك، قد تتبلور جبهتان في شرق المتوسط: الأولى تضم تركيا ومصر وليبيا، والثانية تجمع إسرائيل واليونان وقبرص.
توتر ثم تقارب
توترت العلاقات بين مصر وتركيا عام 2013، بعد إزاحة محمد مرسي عن الحكم إثر احتجاجات واسعة ضده وضد “الإخوان المسلمين”، وتعمّق الخلاف بينهما في الملفين الليبي والحدود البحرية شرق المتوسط. غير أن عام 2021 شهد بداية تقارب جديد، تُوّج في 2023 باتفاق على إصلاح العلاقات وإعادة تعيين السفراء. ومنذ ذلك الوقت، تكثّفت الزيارات المتبادلة بين القادة والمسؤولين الأتراك والمصريين، مع تسجيل تقارب في ملفات عدّة أبرزها ليبيا والحرب في غزة.


