شهران مضيا منذ أن توقّف قلب زياد الرحباني عن الخفقان؛ القلب الذي اعتاد أن يخفق خارج الإيقاع. لم يكن رحيله حدثًا عابرًا، بل لحظة صمتٍ ثقيلة أعادت إلى الذاكرة معنى أن يقترن الفن بالتمرد، والموسيقى بالجرح المفتوح.
من بيت فيروز وعاصي خرج، لا ليحمل الراية، بل ليمزّقها ويفصّل رايته الخاصة. كان يمكن أن يكون امتدادًا ناعمًا لتجربة الأخوين رحباني، لكنه فضّل أن يكون الصوت الخشن الذي يفضح النعومة المزيّفة في خطاب الفن والسياسة معًا.
في بلد يبيع فيه السياسيون كل شيء، كتب زياد موسيقاه كمن يشتري الحقيقة بالخسارة.
في مسرحياته ــ من بالنسبة لبكرا شو إلى فيلم أميركي طويل ــ قلبَ الأحجار جميعها. جعل الخشبة مرآة للشارع، وأسكن الممثلين أدوار الفقير، والعسكري، والسائق، والحالم، والمدمن. مسرحه لم يكن نهاية العرض، بل بدايته: يبدأ حين ينطفئ الضوء، وتستمر الأسئلة في الخارج.
أما في موسيقاه، فقد امتزج الجاز بالناي، واللحن الشرقي بتمرّد لا يطلب التصفيق. في “كيفك إنت؟” و”بما إنّو” و”أنا مش كافر” غنّى للحب والخذلان معًا، للغرام وللمصيدة التي تترصّد في قلب كل عاشق. لم تكن أغنياته محاولاتٍ للتجميل، بل طعناتٍ صغيرة توقظ الوعي وتفضح العطب. قال مرة: “الموسيقى متل السياسة… لازم تدخل بالدم”. وقد فعلت.
زياد لم يكن “ابن فيروز” وحسب. اختار أن يكون ابن الشارع، ابن الخوف اليومي، والبيانو المرهق، والكلمة التي لا تُبلع. لسانه مطرقة؛ حين يتكلم يشتم، ويضحك، ويصدم. لم يساوم على موقف، ولم يهادن في جملة. أحبّ فلسطين، كره الطائفية، وآمن أن الموسيقى لا تصلح لتزيين الكارثة، بل لفضحها.
بعد شهرين على الغياب، يبدو زياد أكثر حضورًا. كل أغنية له تصريح سياسي، كل لحن سيرة عاطفية من خيباتنا، كل مسرحية مرثية لأوطاننا. لم يكن مجرد “فنان لبناني”، بل رفيق الضالّين في ليل هذا العالم، صوت الذين لا يصدّقهم أحد، وحلم الذين ما زالوا يفتّشون عن بلدٍ لا يخاف الحقيقة، ولا يطفئ الأغنية قبل أن تكتمل.


