بالرغم من “سخافتها” في الأساس في بلد ينوء بكمّ هائل من المشاكل المصيرية في كل المجالات، والتي ينطبق عليها القول: عملوها الصغار ووقع فيها الكبار، إلا أن “موقعة الروشة” فضحت وأبرزت إلى العلن حال التخبط الذي يعيشه أطراف الصراع في لبنان، سواء في الحكم أم في المعارضة.
أولى مظاهر التخبط، قبل الدخول في العمق، هو غياب الحدّ الفاصل ما بين الحكم والمعارضة، وما بين الدولة والدويلة، بحيث لم يعد ممكناً التفريق بين من هو في الحكم ومن هو في المعارضة. فتارة يتهيأ لك أن “الدويلة” باتت هي الدولة، وتارة يبدو العكس، وفي النهاية يدفع البلد ثمن هذا التخبط على الصعيدين الداخلي والخارجي.
بالعودة إلى “موقعة الروشة” التي بدأت بإعلان برنامج إحياء ذكرى غياب الأمينين العامين السابقين ل”حزب الله”، السيدين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، وهو الإعلان الذي تزامن مع تطورات داخلية في “حزب الله”، مثل إقالة مسؤولة العلاقات الإعلامية رنا الساحلي من منصبها، وكذلك مع تسريبات صحافية عن اتجاه لتقليص دور “وحدة الارتباط والتنسيق” في حزب الله التي يديرها الحاج وفيق صفا، مع الإيحاء بدور ما للرئيس نبيه بري “الأخ الأكبر” في رسم هذا الاتجاه. أعقب ذلك تسريبات في اليوم التالي عن اتجاه لاستبدال الحاج محمد رعد – وما أدراك ما محمد رعد – برجل الأعمال عماد جابر نائباً عن “حزب الله” في محافظة النبطية، وهو ما رآه البعض رداً على التسريبات المتعلقة بصفا، وأوحى بوجود صراع محاور داخل “حزب الله” بين جناحين، سياسي وأمني، كحال كل التنظيمات المسلحة الحديدية، وهو أمر توقعه بعض المراقبين على أية حال منذ غياب السيد حسن نصر الله بكل ما كان يمثله من كاريزما وزعامة جامعة لا تُنازع.
بدأت حملة الرفض لإضاءة صخرة الروشة بصور نصر الله وصفي الدين ببيان من النائب نبيل بدر، تلاه بيانات متلاحقة من بعض نواب بيروت الآخرين، بحيث بدا وكأن الأمر “مزايدة انتخابية” – والانتخابات على الأبواب – أكثر منه فعلاً سياسياً وشعبياً منظماً وجدّياً. لكن ذلك لم يحل دون توتير الأجواء في بلد يقف على “صوص ونقطة”، كما يقال، خاصة في القضايا الطائفية والمذهبية، ما استوجب من رئاسة الحكومة التدخل بقرار كان غاية في الالتزام بالقوانين مرعية الإجراء في مثل هذه الظروف، هذا إذا ما كنا نريد فعلاً للدولة أن تمارس دورها الطبيعي. من هنا جاءت التسوية التي قيل إنها نُسجت بين الرئاستين الثانية والثالثة، فكان طلب الرخصة وقبولها ضمن الشروط المعروفة.
في اليوم الموعود بدا أن حساب “حقل الدولة” لم يتطابق مع حساب “بيدر الدويلة”، فكان ما كان من إضاءة الصخرة والتصرف خلافاً لكل الشروط التي نصت عليها الرخصة المعطاة، وذلك بحضور الحاج وفيق صفا شخصياً مع بعض “رجاله” الذين مارسوا فعل التحدي وتطاولوا علناً على شخص رئيس الحكومة وتناولوه بكلام نابٍ وغير لائق، في غياب شبه كلي عن “الاحتفالية” للصف السياسي في “حزب الله” سواء من وزراء أو نواب، وهو ما أظهر التخبط لدى الحزب وأعطى بعض المصداقية للتسريبات عن وجود صراع أجنحة داخله.
ترافق ذلك مع ما بدا وكأنه “قبة باط” – إذا جاز التعبير – واضحة من قبل القوى العسكرية والأمنية، خلافاً لتعميم رئيس الحكومة، ما أظهر كذلك التخبط في صفوف الدولة، وهو الأمر الذي برز بوضوح في بيان رئيس الحكومة بعد المخالفة، ثم في بيان وزير الدفاع ميشال منسى – المحسوب على الرئيس جوزيف عون – الذي بدا وكأنه ردّ على بيان الرئيس نواف سلام، ما أضعف هيبة الدولة في أقسى موقف تتعرض له منذ بداية عهد الرئيس جوزيف عون.
ولعل “أخبث” ما حدث في “الاحتفالية” التي كانت أبعد ما يكون عن إحياء ذكرى شهداء، بعد كسر هيبة الدولة، هو وضع صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والرئيس سعد الحريري على الصخرة تتوسطهما صورة السيد نصر الله. وهي حركة بدت مفتعلة وفيها نوع من “التذاكي” على الدولة من جهة، وتملق لأهل بيروت وجمهور “تيار المستقبل” والحريرية السياسية من جهة أخرى. ولو أن البعض رأى فيها جانباً “إيجابياً” – إذا صح التعبير – وهو “التلطي” وراء رموز “الحريرية السياسية” بهدف الحماية من غضب الناس، ما يعني الاعتراف – على طريقة مجبر أخاك لا بطل – برمزية هذه الجهة وقدرتها على “حماية” كل من يريد الدخول إلى بيروت وقلوب أبنائها. فالرئيس الشهيد لطالما حمى بيروت ولبنان وهو حيّ حتى الاستشهاد، وكذلك فعل الرئيس سعد الحريري حتى “الاعتكاف” السياسي على كلفته السياسية، وهو ما يعترف به اليوم ألدّ “خصومه” السياسيين ولو متأخراً.
هذه التطورات جميعها تأتي والبلد لا يزال عملياً تحت النار، ويتعرض أهله للقتل كما حدث مؤخراً في مجزرة بنت جبيل التي غطّت عليها، للأسف، “موقعة الروشة” من دون أن يرف جفن لمن يدّعي المقاومة وحماية الناس ويتخذ من هذا الادعاء ذريعة للتمسك بالسلاح.
وإذا بنا نراه يتجه صوب بيروت في استعراض استفزازي وتحدٍّ للدولة، في وقت تشهد فيه المنطقة من حولنا تطورات غاية في الخطورة سواء في غزة أو في سوريا أو بين الغرب وإيران، حيث تم تفعيل آلية الزناد ضد إيران. وهذا ما يدعو إلى التساؤل، خاصة بعد تصريحات توم باراك الصادمة والصريحة حول لبنان – والتي أعطتها موقعة الروشة للأسف مصداقية أكبر –: هل اقتربت ساعة “الضغط على الزناد” في لبنان؟ يبدو، والله أعلم، أن الآتي أعظم.


