قمة شرم الشيخ للسلام… مرحلة جديدة أم استعراض جديد؟

ياسين شبلي

بالرغم من أهميتها القصوى كحدث استثنائي عالمي أوقف طوفان الدم المتدفق منذ سنتين في المنطقة، انطلاقاً من قطاع غزة المنكوب، إلا أن قمة شرم الشيخ للسلام التي انعقدت في مصر مؤخراً، تميّزت بنوع من الاستعراض الذي قام به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو مزيج من استعراض قوة أميركي عبر الحديث بثقة مفرطة عن السلام الشامل والنهائي في منطقة الشرق الأوسط من جهة، واستعراض قوة شخصي يجمع بين الفكاهة والغرور من جهة أخرى، تجلّى في لغة الجسد وحركاته التي مارسها مع العديد من زعماء العالم الحاضرين.

الحديث عن الاستعراض هنا ليس بهدف الانتقاص أو التقليل من أهمية القمة ومندرجاتها بطبيعة الحال، فيكفيها أنها أنهت الحرب على الشعب الفلسطيني في غزة، بغضّ النظر عن بنود وشروط وقف هذه الحرب وأثمانها. لكن من منطلق أنها ليست المرة الأولى التي تُعقد فيها مثل هذه القمة، خاصة في شرم الشيخ، بهدف وقف الصراعات، والوعود التي لطالما أُطلقت منها بخصوص الحل الشامل والدائم للصراع العربي – الإسرائيلي، والتي لم تكن في الواقع سوى استعراض سياسي من قِبل بعض الدول أو الزعماء الذين كانت لهم في هذه القمم مآرب أخرى.

ما يدعو اليوم كذلك إلى الحذر في تقييم نتائج هذه القمة، بالرغم من تبدّل الظروف الإقليمية والدولية من جهة، ووجود شخصية قوية وجدلية وربما – كما يراها البعض – غريبة الأطوار كشخصية الرئيس الأميركي ترامب من جهة أخرى.

ففي شهر آذار (مارس) من العام 1996، عُقدت قمة في شرم الشيخ تحت شعار صانعي السلام، برئاسة الرئيسين المصري حسني مبارك والأميركي بيل كلينتون، وبحضور عشرات الزعماء من مختلف أنحاء العالم. كانت القمة تهدف إلى دعم السلام المتعثر سياسياً واقتصادياً بعد اتفاقيتي أوسلو (1993) ووادي عربة (1994) بين إسرائيل وكلٍّ من منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، خاصة بعد اغتيال إسحاق رابين قبل ذلك بعام.

كما كان من أهدافها تشكيل لجنة لمحاربة الإرهاب، والمقصود هنا الهجمات الاستشهادية أو الانتحارية التي كانت تقوم بها حركة حماس آنذاك في إسرائيل، والتي اتخذتها الأخيرة ذريعة لعرقلة تنفيذ بنود اتفاقية أوسلو.

أسفرت القمة يومها عن تسهيل عقد اتفاق حول مدينة الخليل بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، قبل أن تؤدي عدم جدية واشنطن ووصول بنيامين نتنياهو إلى السلطة في إسرائيل للمرة الأولى في حزيران 1996 إلى تجميد العملية برمتها. ثم عادت لتُستأنف لاحقاً، ولكن على قاعدة تفاوض جديدة قوامها الأمن مقابل السلام، وهي القاعدة التي سنّها نتنياهو وسارت على نهجها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدلاً من القاعدة السابقة التي كانت تقضي بـ الأرض مقابل السلام.

وهكذا، لم يتمكن صانعو السلام يومها من فرضه أو جعله سياسة تلتزم بها كافة الأطراف، فكانت النتيجة انهيار العملية برمتها نتيجة التصلب الصهيوني من جهة، والحمساوي من جهة أخرى، في تقاطع مصالح أدى لاحقاً إلى اندلاع انتفاضة الأقصى التي تمت عسكرتها، وانتهت بحصار ياسر عرفات وقتله بالسم.

وفي أثنائها، تم إطلاق المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002، وتم التأكيد عليها بعد أشهر في قمة شرم الشيخ التي جمعت الرئيسين المصري حسني مبارك والسوري بشار الأسد وولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز. غير أن كل هذه التحركات لم تنجح في كبح جماح آرييل شارون، حتى كانت قمة جديدة في شرم الشيخ بعد رحيل ياسر عرفات، وذلك في مطلع عام 2005، بحضور الرئيس المصري حسني مبارك، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والرئيس الفلسطيني الجديد آنذاك محمود عباس، إلى جانب آرييل شارون.

وكانت النتيجة إنهاء انتفاضة الأقصى، تلاها انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة، وبعدها فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية، ما فجّر الصراع الفلسطيني – الفلسطيني على السلطة، ومن ثم الانقسام بين غزة والضفة الغربية الذي استمر حتى وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه اليوم.

انطلاقاً من هذه الخلفية التاريخية، ننظر اليوم بحذر إلى قمة شرم الشيخ للسلام، التي وإن كانت قد أقرّت خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة، إلا أن الوعود التي أُطلقت بشأن السلام النهائي في المنطقة تبدو بعيدة المنال، خاصة مع غياب كل من لبنان وسوريا عن القمة، ما يؤكد أن الحل بين إسرائيل وكلتا الدولتين لم ينضج بعد، وقد يكون أمامه الكثير من العقبات.

كما أن غياب كلٍّ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد عما تمثله القمة، يبعث برسالة قد تُفسَّر بأنها – على الأقل – تعبير عن عدم الرضى على مخرجات خطة ترامب، وهو ما يشكّل نقطة ضعف لهذه الخطة لما للدولتين من تأثير على مجرى الأحداث وخطط إعادة الإعمار

هذا فضلاً عن تصريحات ترامب نفسه التي تبدو متناقضة أحياناً في اليوم الواحد، ما يجعلها أقرب إلى الاستعراض منها إلى الجدية المطلوبة.

ما يدفع للتساؤل بجدية: هل دخلت المنطقة مع خطة ترامب مرحلة جديدة أساسها السلام الحقيقي والازدهار المطلوب؟

أم أنها لا تعدو كونها استعراضاً جديداً لرجل مغرور يرى في نفسه محور الكون، ويتعامل مع الأحداث على هذا الأساس، غير عابئ بما قد تتركه تصرفاته من تداعيات على العالم؟

الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، في عالم سريع الإيقاع والحركة، ومليء بالمفاجآت التي قد تكون في أغلبها غير سارة.

شارك المقال