يتكرّر الحديث، من حين الى آخر، عن عدم توافق بين رئيسي الجمهورية والحكومة، عن خلافات بين رئيسي البرلمان والحكومة- ونادراً بين رئيسي الجمهورية والبرلمان-، فضلاً عن “مساعٍ” لعقد لقاء “مصارحة” بين الثلاثة. ورغم تكرار هذه الوقائع فإن أصحابها، أو مصادرهم وأوساطهم، لم يجهروا صراحةً بوجود خلافات، لكنهم تركوها عائمة في مرّات عديدة أو نفوها في مرّات قليلة.
يشير الانطباع العام السائد الى وجود نسبة مهمة من الانسجام المتوقع والمفهوم بين الرئاستين الأولى والثالثة، فهما مسؤولتان عن تحديد السياسات وعن تنفيذها، إلا أن الانسجام يتعكّر كلما اقتربت الأولى أكثر من الثانية من دون إحاطة الثالثة بفحوى توافقهما الذي لا يلبث أن ينعكس سلباً على الأداء العام للدولة. وحصل أن مواقف معلنة لرئيس الحكومة أثارت حفيظة رئيس المجلس، مع أنها كانت في اطار ما اعتمدته الدولة أو عبّرت عن حرص على تطبيق القانون، وبالتالي ما كان لرئيس المجلس أن يستاء لولا أن “الحزب” حرّض اعلامه وهيّج “بيئته” ضد رئيس الحكومة. كما حصل أن اعتُمدت توجّهات علنية في شأن “حصرية السلاح” وتعرض رئيس الحكومة وحده لحملات ضدّه بسبب دفاعه عنها، لكن رئاسة الجمهورية تنأى بنفسها عن أي سجال موحيةً بأن كلام رئيس الحكومة والتهجّم الشخصي عليه وحتى تهديده لا تعنيها.
كثير من اللبنانيين صدّقوا ولا يزالون أن “دولة جديدة” تتخلّق منذ انتخاب رئيس الجمهورية واختيار رئيس الحكومة، أما رئيس المجلس وإنْ كانت له مساهمات توافقية فإنه في هذه المرحلة الحساسة التي ينبغي أن تتبلور فيها “الدولة”، وأن تُحترم هيبتها، لا يزال في نظرهم طرفاً ممثلاً لـ “حزب إيران/ حزب الله”، وقد برهن هذا الطرف أنه نقيض لـ “الدولة” ومعادٍ لها. ولا يعني ذلك سوى أن رئيس المجلس يدعم الأمين العام والقادة الآخرين في “الحزب” في رفضهم “تسليم السلاح”، كذلك في الجدليات الغوغائية التي ينخرطون فيها دفاعاً عن سلاحهم. وكانت السياسات جرت في الأعوام الماضية على أساس أن “الحزب” أقام “دويلته” بواسطة سلاحه وعهد الى رئيس المجلس/ رئيس حركة “أمل” برئاسة موقّتة لتلك “الدويلة” والتفاوض نيابة عنها، طالما أن “الحزب” منبوذٌ دولياً وعربياً. لذلك يخشى “الحزب” ورديفه أن يفقدا النفوذ و”الدويلة” إذا خسرا السلاح، وهو ما ينبغي أن يحصل مهما بالغا في المماطلة، أو في اللعب على الرئاستين الأولى والثالثة وبينهما.
لم ينسَ أحد أن “الحزب” لم ينتخب رئيس الجمهورية في الدورة الأولى رغم أنه عرفه وتعامل معه كقائد للجيش، ولم يسمِّ أبداً رئيس الحكومة إذ لم يختبره سابقاً وكان كافياً أن ترشحه “انتفاضة 17 تشرين” التي استعداها “الحزب” كي يعتبره خصماً يصعب التفاهم معه، وبعدما اتضح أن لديه ميزات “رجل الدولة” فإن هذا ما كان إلا ليزيد خصومة “الثنائي” وتوجّسه منه، لأن الدولة نقيض الدويلة. هذه البداية للعهد الجديد حدّدت مواقع الرئاسات ومواقفها واستعداداتها للمراحل الآتية ولا تزال هي الحاكمة، وإذا كانت الأولى والثالثة تبنّتا خطاباً متقدّماً ومتطابقاً إزاء حصر السلاح ومكافحة الفساد وتفعيل المؤسسات وحمايتها، فإن توزيع الأدوار في “الثنائي” اقتضى أن تتكفّل الرئاسة الثانية الحفاظ على مكاسب “الدويلة” فيما يتكفّل “الحزب” بالحفاظ على السلاح من دون التوقف عند التزامات واضحة تعهّدها قبل عام في اتفاق وقف اطلاق النار.
الأمر الواقع الذي فرضه “الحزب” على الدولة لا يزال مخيّماً، ومعطّلاً ليس فقط الانتقال الى الإصلاح الجذري الذي يقطع مع “الدويلة فحسب، بل أيضاً امكان الحصول على المساعدات الموعودة سواء لإعادة الإعمار أو للتعافي الاقتصادي. قد يكون في نهج الرئاسة الأولى، على ما فيه من مهادنة وتردّد، شيء من “الواقعية” التي يقتضيها استمرار “التعايش المشترك”، لكنه لا يستطيع الاستمرار في التسويات على حساب قرارات مجلس الوزراء. أما نهج الرئاسة الثالثة الذي يسير “بحسب الكتاب” كما يقال (أي بحسب ما تقرّره الدولة وفقاً للدستور والقوانين)، لا يبرّر التعامل مع رئيس الحكومة وكأنه المسؤول وحده عن القرارات التي لا تعجب “الثنائي” ولا تريحه، أو كأن هناك بين الرئاستين الأولى والثانية “سرّاً” تتطلّب المصلحة العامة أن يبقى “خافياً” على رئيس الحكومة.
في أي حال، يصعب القول إن هذه تُعتبر “دولة” ماشية أو في طور الانتظام، مع ثلاث رئاسات متنافسة، هذه بهاجس أن تكون وحدها في الواجهة داخلياً وخارجياً، وأخرى بهاجس أن تُبقي على الانحرافات التي ساهمت في صنع مكانتها، وثالثة بهاجس أن تصنع فارقاً جوهرياً في عملية بناء الدولة. والأخطر أن منافساتها متوازية ولا تلتقي على هدف واحد، وإذا ذُكر “اتفاق الطائف” فإنها تعمل إما على تغيير أحكامه بالممارسة أو على اطاحته بالبلطجة، أو على تطبيقه فعلاً
ووراء هذا المشهد لا بدّ أن يكون التجاذب الطائفي في حركة مضطربة وغير متّسقة، فلا تحالفات وطنية عابرة للطوائف بل هناك داخل كل طائفة منافسات فرعية.
حين أعلن الرئيس الأميركي، من منبر الكنيست الإسرائيلي، “دعماً” للرئيس اللبناني في “إدارة نزع سلاح حزب الله” الذي “كان خنجراً ضرب إسرائيل وأنهيناه”، كما قال، لم يُفهم هذا الكلام لبنانياً على أنه “دعم” لأن إدارة نزع السلاح لم تعد واضحة داخلياً. وإذ ردّ الرئيس اللبناني مرجحاً تفاوضاً غير مباشر مع إسرائيل لإنهاء احتلالها فإن “الحزب” لم يحبذ هذ الخيار. لماذا؟ أولاً، لأن إيران هي التي تقرّر ما إذا التفاوض يتماشى مع حساباتها الراهنة. وثانياً، لأن “الحزب” سيبدو مهمّشاً ولا يمكنه أن يدير المفاوضات كما فعل لدى ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وتردّد أنه وُعِد باعترافٍ أميركي (وإسرائيلي) بسيطرته على لبنان. لو حصل ذلك الاعتراف لكان بمثابة قبول بهيمنة إيران على لبنان لكنه كان مجرد وهم.


