لم تعد أميركا تملك وقارها السياسي القديم. ففي زمن ترامب، تفقدُ الرئاسةُ مقامَها الذي كان يُحاطُ بالهيبة، وتحوّلت إلى مشهدٍ متقلّبٍ بين السخرية والتهريج، عرضٍ على منصّات التواصل، بين تغريدةٍ لاذعة وابتسامةٍ متعاليةٍ لرجلٍ يرى نفسه فوق الدولة. صار الرئيس نجماً يسخر من شعبه بدل أن يُصغي إليه.
ملايين الأميركيين خرجوا هاتفين قبل أيام: “لا للملوك”، في احتجاجاتٍ اجتاحت أكثر من ألفي مدينة، رافعين صوراً لترامب متوّجاً كديكتاتور، ولافتاتٍ تقول إن الديمقراطية تُختطف على يد رجلٍ يتصرّف كأنه وريثُ عرشٍ لا رئيسٌ منتخب.
في الوجدان الأميركي، الملكية خطيئة، والاستبداد لعنةُ التاريخ. ولذلك بدت صورُ ترامب التي انتشرت خلال المظاهرات، مرتدياً تاجاً وعباءةً ملكية، أقربَ إلى الكابوس الجمعي منها إلى المزاح السياسي. لكنها كانت أيضاً اعترافاً شعبياً بأن الرجل الذي وعدهم بـ«أميركا العظيمة» جعلهم يخشون على جمهوريتهم من طغيان الداخل.
ولم يكتفِ ترامب بالصمت، بل ردّ كما يفعل المهرّجون في سيرك السياسة الحديثة؛ بفيديو ساخرٍ صمّمه بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيه ملكاً يقذف المتظاهرين بالقاذورات. لم يكن ذلك فعلاً طائشاً فحسب، بل إعلاناً بأن زمن الوقار انتهى.
المتظاهرون وصفوا خروجهم بأنه “صرخةٌ ضد عسكرة المدن، وارتفاع المعيشة، وتحوّل النظام إلى أداةٍ بيد رجلٍ واحد”. كانوا يدركون أن بلادهم تُدفع نحو هاوية الشعبوية، حيث يصبح التهكّم سياسةً، والهيمنة بطولةً، والتاريخ مادةً للسخرية.
هكذا تبدو أميركا اليوم: إمبراطوريةٌ تتجادل مع نفسها، وشعبٌ يذكّر رئيسَه بأنه ليس ملكاً، بل موظفٌ عند الأمة.
في هذا الانحدار الرمزي، تتقوّض فكرة الدولة العاقلة التي كانت يوماً تُدرّس للعالم معنى الديمقراطية.
ترامب، بملكه الافتراضي وتياره الغاضب، لا يهدد خصومه فحسب، بل يهدد روحَ الجمهورية نفسها.
كأن البلاد التي كانت تُدرّس الديمقراطية، تجد نفسها الآن أسيرةَ رجلٍ يحوّل جمهوريتَها إلى مسرحٍ لغروره، وتاجٍ يلمع فوق جبهة الفوضى.


