الكلاب ضحايا العنف… والمجرمون بلا عقاب

نور فياض

لا تمرّ أيام الجنوب من دون أن تحمل معها خبرًا موجعًا جديدًا، لكن ما حدث مؤخرًا فاق التصوّر. ففي جريمة فاحت منها القسوة وافتقدت إلى الحسّ الإنساني، في مشهد أقلّ ما يُقال عنه إنه “يفتّف القلب”، تمّ عمدًا تسميم عشرات الكلاب في بلدة أنصار، تلتها حادثة مؤلمة في تبنين حيث وُجدت كلبة مقتولة بطريقة مأساوية.

عند رؤية الكلب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، يذبل أمام أعيننا ويصرخ بصوت لا يُسمع، ليتبيّن لنا كم أصبح عالمنا قاسيًا، وأنّ تباهينا بـ”الرحمة” ما هو إلا شعارات شعبوية جوفاء.

تقول الصحافية والناشطة فاديا جمعة عبر “لبنان الكبير” إنّ ما جرى في بلدة أنصار من نفوقٍ مفاجئ لما يقارب ٦٠ كلبًا دفعةً واحدة، لا يمكن تفسيره بوجود فيروس، إذ تؤكّد أنّ الأمراض الفيروسية تظهر تدريجيًا بعوارض واضحة، فيما ما حدث يحمل كلّ دلائل التسميم المتعمّد، حيث نفقت الكلاب في وقتٍ واحد بعد ارتعاشات وتشنّجات سريعة. وتشير إلى أنّ ما حصل “جريمة موصوفة، ليست فقط بحقّ الحيوان، بل بحقّ الإنسانيّة جمعاء”.

وتوضح جمعة أنّ المادة المستخدمة على الأرجح هي “اللانيت” المحظورة عالميًا، لكنها ما زالت متوفّرة في السوق اللبناني، ويمكن لأيّ شخص اقتناؤها رغم خطورتها الكبيرة على البيئة وصحّة الناس، إذ قد تسبّب تسمّمًا وموتًا للبشر أيضًا.

وتلفت إلى أنّ “استمرار هذه الانتهاكات يثير تساؤلاتٍ جدّية حول دور الدولة والوزارات المعنيّة في مكافحة ظاهرة التسميم وضبط تداول هذه المواد السامّة”، مؤكّدةً أنّ “على بلدية أنصار ألّا تكتفي ببيانات الاستنكار، بل أن تبادر إلى كشف الفاعلين وفتح تحقيق رسمي ومتابعة قضائيّة بالتعاون مع وزارة الزراعة والجهات المختصّة”. وتشير أيضًا إلى “ضرورة معالجة مشكلة الكلاب الشاردة من جذورها، خصوصًا بعد إعلان وزارة الزراعة مؤخرًا عن خطة TNVR (القبض، التعقيم، التلقيح، والإفراج) بالتعاون مع نقابة الأطباء البيطريين وعدد من البلديات، وهي خطوة علميّة وإنسانيّة تمثّل بصيص أمل لحلّ مستدام”.

وتشدّد جمعة على أنّ “استباحة هذه الأرواح البريئة تُعدّ مخالفة فاضحة لكلّ القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة ولـقانون الرفق بالحيوان الصادر عام 2017″، مشيرةً إلى أنّ “القضاء على الكلاب بقتلها جريمة معادية للإنسانيّة، ومن يرتكبها يشكّل خطرًا على المجتمع، لأنّ من يقتل حيوانًا اليوم قد لا يتردّد في قتل إنسان غدًا، وغالبًا ما يكون شخصًا مضطربًا نفسيًا أو عقليًا”.

وتختم بالتأكيد أنّ “المسؤوليّة تبقى جماعيّة”، داعيةً وزارة الزراعة والبلديات والقوى الأمنيّة والجمعيّات والمواطنين جميعًا إلى التعاون لحماية هذه المخلوقات والدفاع عن حقّها في الحياة.

“المشهد يدمي القلب”، هكذا عبّر أحد أصحاب الكلاب التي نُفّقت في بلدة أنصار لـ”لبنان الكبير” عن هذه الجريمة، معتبرًا أنّ “ما حدث لا يقلّ جرمًا عن جرائم العدو، لأنّ هذه الحيوانات روحٌ في جسد، تشعر وتحسّ بالوجع كما نحن”. وأضاف بأسى: “الكلب هو أكثر من يحميك، يشاركك خوفك وفرحك، فكيف يمكن لإنسان أن يقتل مخلوقًا لا يعرف سوى الوفاء؟”

وأشار إلى أنّ “هذه ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها الكلاب في البلدة للاعتداء، إذ سبق أن أُطلق النار في الهواء لتخويفها، وكأنّها خطر على أحد”. وختم قائلًا: “الكلب يعوي لدقائق، بينما المسيّرات تزعجنا بهديرها لساعات متواصلة، استقووا عليها وتركوا الكلاب”.

في المقابل، يشير مصدر خاص إلى أنّ “بعض الكلاب تمّ تسميمها عمدًا، بينما تعرّض البعض الآخر لفيروس، وما زلنا بانتظار إعلان رسمي من الوزارات المعنية لتوضيح سبب هذا الموت المفاجئ لعدد كبير منها”، مؤكّدًا أنّ “البلدية تتجاوب بسرعة مع هذه الحوادث وتحقق في كل شكوى، فهي دائمًا تقف إلى جانب المواطنين وتحترم حقوق الحيوانات. وغالبية سكان البلدة يربّون أنواعًا عدّة منها ويعتنون بها، حتى في ظروف الحرب والأزمات، حيث حظيت باهتمام كبير من الأهالي الصامدين وشباب الدفاع المدني والهيئة الصحية”.

ويتابع: “لكن هناك دائمًا من يرفض هذا الاهتمام، معتبرين أن الاعتناء بالحيوانات أمر مبالغ فيه أو غير ضروري، وهو تصور يعكس جهلًا بالقيم الإنسانية وأهمية حماية الكائنات الحيّة”.

ويعتبر أنّ “هذه الحوادث تضع المجتمع أمام مسؤوليّة مشتركة، فالاهتمام بالحيوانات ليس رفاهية، بل جزء من ثقافة الرحمة والإنسانية التي يجب أن تحميها الدولة والمجتمع على حدّ سواء”.

أما البلدية، فأصدرت بيانًا دانت فيه بشدّة “هذا العمل غير الإنساني والمخالف للقوانين”، وأكّدت أنّها “لم تتلقَّ أي شكوى رسمية أو بلاغًا موثّقًا بهذا الخصوص حتى تاريخه”

وأشارت إلى أنّها “تعمل بالتعاون مع الجمعيات والجهات المعنية لإيجاد حلول قانونية وإنسانية لظاهرة الكلاب الشاردة”، داعيةً “من يمتلك معلومات موثوقة إلى مراجعتها مباشرةً”.

وتؤكد بلدية أنصار أنّ “ما يُتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يمثّلها”، وتشدد على “حرصها على السلامة العامة وحقوق الحيوان”.

قانونًا، أصدرت الدولة بتاريخ ٥/٩/٢٠١٧ قانونًا بعنوان “قانون حماية الحيوانات والرفق بها”، ويهدف إلى حماية الحيوانات الحيّة والرفق بها وتنظيم المنشآت التي تتعامل مع هذه الحيوانات أو تستخدمها، مع مراعاة الاتفاقيات والتوصيات الدولية ذات الصلة، لا سيّما اتفاقية سايتس وتوصيات المنظمة العالمية للصحة الحيوانية (OIE). وتنصّ المادة 12 من القانون رقم 47/2017 على أنّه:

> “يُعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة من مليونين إلى خمسين مليون ليرة لبنانية، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من:

• قام عمدًا بقتل حيوان أو بتعذيبه أو بإيذائه بشكل يسبب له الألم الشديد.

• أو شارك أو نظم أو موّل أنشطة تتضمن عنفًا أو أذى للحيوانات (مثل المصارعات أو الصيد غير القانوني).”

وعلى الرغم من وجود قوانين تُغرّم وتُعاقب معذّبي الحيوانات، إلا أنّه لا يُحاسب أحد فعليًا من قبل الدولة، بل يُدان الجاني فقط من قبل الناشطين عبر توجيه التهم إليه، فيما تكتفي الجهات المعنيّة بالإدانة اللفظية.

فمتى سنفهم أنّ الحضارة ليست شعارات، بل محاسبة حقيقية لكلّ من يسيء إلى الضعفاء؟

شارك المقال