التفاوض غير مضمون النتائج ولا يعفي من “نزع السلاح”

عبدالوهاب بدرخان
الجنوب اللبناني

لم يعادل مأساة اعدام المواطن المدني إبراهيم سلامة، بأيدي مجرمي الجيش الإسرائيلي، سوى “الفرح” الذي أبداه “حزب إيران/ حزب الله” بعد اعلان طلب الرئيس جوزف عون “أن يتصدّى الجيش لأي توغّل أو اعتداء”. اعتبر “الحزب” أن الدولة بدأت أخيراً تدخل في جلبابه، في خطّ “المقاومة”، أي في النهج الإيراني، و- لمَ لا- في عقيدة الولي الفقيه. فكلّ شيء ممكن في المنطق الجهنمي الذي تديره آلة الحرب الإسرائيلية من جانب، وأدوات إيران من جانب آخر، في تقاطع “موضوعي” بين الأهداف: العدوانية الإسرائيلية تبرر وجود “الحزب”، ونجاح “الحزب” في افشال “نزع السلاح” يبرّر استمرار تلك العدوانية… وكما أن بقاء السلاح يعني أن “الدولة أضعف من الحزب” فإن “ضعف الدولة” لا يترك للأميركيين سوى خيار الاعتماد على الإسرائيليين لإنهاء “المهمة”.
بعد ساعات على اكتشاف جثة موظف البلدية في بليدا كان المختار حسين قعور يقول أمام كاميرا “الميادين” إن “التجارب أثبتت أن المقاومة هي وحدها التي تحمينا”، وأمام كاميرات أخرى طالب لاحقاً بحماية الدولة والجيش. أما رئيس البلدية سليم حجازي فكان “يتمنّى لو أن الجيش تصدّى للاعتداء”. لم يوضح المختار عن أي “تجارب” يتحدّث، وكيف أنها “حمت” البلدة، وإذا كان رأى وسمع ما أسفرت عنه الحرب من قتل ودمار فأين وجد أن “المقاومة” وفّرت “حماية” للبلدة. الواقع أن هذا المختار أراد أن يعبر عما يشعر به الجنوبيون عموماً، وهو اليأس التام من توفّر أي حماية لهم ولأرزاقهم. لذا فإن “المصلحة” و”السلامة” تقتضيان بأن يُظهروا تمسّكاً بـ “المقاومة”، كونها لا تزال مؤثّرة في بيئتها وتنثر بعض المساعدات، ولعلّهم يبطنون تمنياً بأن الحماية “مشتركة” بين “الحزب” والدولة، لكن اقتناعاً عميقاً بأن “الحزب” أخطأ في قرار الحرب يشجعهم على أن يُبدوا في الوقت نفسه رهاناً على الدولة والجيش، وإنْ لم يلمسوا أي مساعدة منهما.
كيف سينفّذ الجيش الأمر بالتصدّي برّاً، علماً بأن معظم الاعتداءات الإسرائيلية يتمّ بالطائرات والمسيّرات، وكيف له أن يستبق أي تسلل أو هجمات في الليل طالما أنه لم يتصدَّ سابقاً لأي عمليات اطلاق نار على المدنيين أو توغّلات لتفجير أبنية ومنازل وبنى تحتية خلال ساعات النهار؟ ربما يستدعي “الأمر بالتصدّي” تغييراً في الخطط التي أعدّها الجيش تحضيراً لمهمّاته جنوب نهر الليطاني، أو تنسيقاً مختلفاً مع قوات “اليونيفيل” التي يبدو أن بعضاً من فرقها باتت مستعدة أقلّه للدفاع عن نفسها ضد التحرّشات الإسرائيلية، كما أظهرت الفرقة الفرنسية بإسقاطها مسيّرة إسرائيلية فوق كفركلا. لكن، هل يضمن الجيش عدم تدخّ “الحزب” سواء لدفعه الى المواجهة أو لافتعال مواجهة بهدف الإحراج والتوريط؟ هذا الاحتمال وارد، ولن يفوّت “الحزب” الفرصة بذريعة أن كوادره أو عناصره هم من مواطنون موجودون في قراهم وبلداتهم. الى جانب كل ذلك لم يتضح بعد الموقفان الأميركي والفرنسي من مسألة التصدّي للاعتداءات.
بمعزل عن إشادات قادة “الحزب” وأمينه العام، وعن الانتقادات الأولية من الجانب الأميركي، كان قرار رئيس الجمهورية بعد التوغّل في بليدا صائباً بصيغته وتوقيته، ويعكس نفاد الصبر على الاعتداءات التي تهدد مشروع استعادة الدولة. كما كان موقف رئيس الحكومة دقيقاً في تنبيهه الى أن إسرائيل تتعرّض لمؤسسات الدولة. فالمتعارف عليه- مع واشنطن- أن هذه المؤسسات “خطٌّ أحمر”، لكن إسرائيل سرّبت مراراً أنها لن تتردّد في “معاقبة الدولة” على “تقصيرها في نزع سلاح الحزب”، وقد تعتبر قرار التصدّي لجيشها ذريعة لمصلحتها، بدليل أن السيناتور ليندسي غراهام سارع الى تزكية معادلة “نزع السلاح مقابل وقف الاعتداءات”، وهو إن لم يعبّر عن رأي الإدارة فإنه يتكلم بلسان الجهات الفاعلة فيها.
كانت لدى الجانب اللبناني خيبة أمل دائمة من “الميكانيزم”- لجنة مراقبة تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار- إذ أنها شكّلت اطاراً لتغطية استمرار إسرائيل في الحرب واستعدادها لاستئنافها بدلاً من “تمكين” لبنان من تنفيذ التزامه بالنسبة الى السلاح غير الشرعي الذي تعهّد “الحزب” تسليمه بموجب الاتفاق. والاجتماع الأخير للجنة بحث استعداد لبنان للتفاوض “لإنهاء الاحتلال”، بحسب الرئيس عون، لكن إسرائيل “ردّت بالانتهاكات”. كان التفاوض مطلباً أميركياً حملته المبعوثة مورغان اورتاغوس، التي زارت في إسرائيل والحدود مع لبنان قبل وصولها الى بيروت، ثم صار التفاوض خدعة أخرى في مسلسل خدع بلا ضوابط في حربٍ بلا نهاية.
هناك خلل وعدم تطابق في مفاهيم الاميركيين والإسرائيليين، فهؤلاء لا يمانعون تخريب لبنان لأنه جبهة أخرى مع إيران ولا يرون جدوى في التفاوض، وأولئك لا يزالون- حتى الآن- يميّزون بين الدولة و”الحزب” ويعتبرون أن إسرائيل لا تستطيع نزع سلاح “الحزب” لذا يجب الاعتماد على الدولة حتى لو تطلّب الأمر وقتاً طويلاً. ثم أن التفاوض في عُرف اميركا- ترامب هو خطوة نحو “تطبيعٍ” ما لا تبدو إسرائيل معنيةً به طالما أن “الحزب” وبيئته يستخدمان صيغة الحكم اللبناني للتحكم بقرارات الدولة. وبمعزلٍ عن كل الاعتبارات فإن أي “تفاوض لإنهاء الاحتلال”، بالمفهوم اللبناني، قد لا يحقّق النتائج المحدّدة في المهل الزمنية المتوخّاة، فالشروط الإسرائيلية (والأميركية) لن تتغيّر، وهي تُختصر بـ “نزع سلاح الحزب”.

كلمات البحث
شارك المقال