نيجيريا في مرمى مزاجية ترامب

نزار عثمان السمندل

فجأة، عاد الشرق الأفريقي إلى مركز الخريطة، ملف نيجيريا الذي غاب عن الاهتمام لعقود، أصبح محور السياسة الخارجية الأميركية.

تهديد خاطف أطلقه الرئيس دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشال”، معلناً عن احتمال شنّ ضربات على الدولة الأفريقية. ورغم أن التهديد سقط كصاعقة على أروقة البنتاغون، وأن الرد جاء سريعاً: «أمرك سيدي»، إلا أن الدهشة استوطنت أعين كبار المسؤولين العسكريين، وتاهت قلوبهم بين صدمة القرار وحجم المسؤولية الملقاة على كاهلهم لتنفيذه. لم يتوقعوا أبداً أن تتقاطع حياتهم العملية مع إعلان عاطفي وغير متوقَّع.

ملفات كانت هامشية، مثل التجارب النووية في دول بعيدة، والديمقراطية في فنزويلا، وتهريب الكوكايين، صارت فجأة تحت المجهر، تتصارع مع أولويات تقليدية يضعها العقل العسكري الأميركي على رأس الاهتمام، كحماية الحدود ومواجهة الصعود الصيني، لكن إعلان ترامب أعاد رسم خريطة الاهتمامات في لحظة مباغتة.

مهمة ضرب نيجيريا ليست سهلة. آلاف الكيلومترات تفصل بينها وبين القاعدة الأميركية الوحيدة في أفريقيا بجيبوتي. الجيش بحاجة إلى موارد إضافية، واستخبارات دقيقة، ووقت لمعرفة أين تقع الجماعات المتشددة، وكيف يضرب بفاعلية دون أن ينهار النظام المحلي أو تتصاعد المأساة الإنسانية.

بوكو حرام، الاسم الذي هزّ العالم باختطاف مئات الفتيات المسيحيات قبل أكثر من عقد، عاد ليعيد نيجيريا إلى الضوء، وسط سنوات من الغياب عن الاهتمام الأميركي المباشر، وكأن التاريخ نفسه عاد ليذكّر المسؤولين أن النسيان لا يحمي أحداً.

البيت الأبيض شدّد على أن ترامب يستمع إلى مستشاريه الموثوقين، لكنه صاحب القرار النهائي، مدفوعاً بما وصفه تهديداً لمصير المسيحيين. ضغوط جاءت من جماعات دينية ومشرّعين شعروا بأن الصمت طال، وأن التاريخ لن يغفر تجاهل المآسي.

مئتا مليون نيجيري يعيشون في بلد متعدد الأعراق، مقسوم بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، في ظل عنف مستمر يزرعه مسلحون مثل بوكو حرام وداعش غرب أفريقيا، واضطرابات بين الرعاة والمزارعين على الموارد الأساسية. آلاف القتلى، قرى مهجورة، وشركات نفط تبحث عن الأمان وسط فوضى ممتدة.

وسط هذا المشهد، يسلط تهديد ترامب الضوء على معاناة المسيحيين، في حين أن غالبية الضحايا مسلمون، ليطرح سؤالاً حارقاً: هل القوة العظمى تهتم بالعدالة أم بالمشهد الرمزي؟ هل السياسة الخارجية أداة لحماية الأبرياء أم منصة لمناورات شكلية أمام الرأي العام؟

نيجيريا، بلد النفط والمآسي، يتراءى في كل قرية فيها، كل زاوية، وكل حقل ومدرسة مهجورة، صدى الإنذار الأميركي الصاخب، بينما العالم يراقب ليرى قدرة الرئيس ترامب على الموازنة بين الرغبة في العمل وعبء المسؤولية الإنسانية، بين المفاجأة والاحتساب، بين القوة الرمزية والعدالة الحقيقية.

شارك المقال