في مشهدٍ سياسي متداخلٍ تتقاطع فيه رسائل واشنطن وتهديدات تل أبيب، يجد لبنان نفسه اليوم في قلب اختبارٍ حقيقيٍّ لقدرته على حماية سيادته وصون قراره الوطني. فالموفد الأميركي توماس باراك يلوّح بالعقوبات ويطالب بإجراءات فورية لضبط السلاح غير الشرعي، فيما يرفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نبرة التهديد العسكري إلى أقصاها، في تزامنٍ لافتٍ يوحي بأنّ الضغوط تنبع من مصدرٍ واحدٍ وإن اختلفت اللهجة. وبين هذه الموجة من التصعيد الخارجي والاحتقان الداخلي، يحاول الرئيس جوزاف عون الإمساك بخيوط المعادلة الدقيقة: الحفاظ على الشرعية، وتثبيت الاستقرار، ومنع انهيار فكرة الدولة نفسها.
منذ منتصف الصيف، صعّد الموفد الأميركي لهجته إلى حدودٍ غير مسبوقة. فقد قال باراك في آخر تصريح له من بيروت إنّ «مصداقية الحكومة اللبنانية تُقاس الآن بقدرتها على تحويل المبادئ إلى أفعال»، مضيفًا أنّ «الوقت لا يعمل لصالح لبنان»، ومؤكدًا أنّ “احتكار الدولة للسلاح ليس خيارًا، بل شرط لبقائها دولة قائمة”. وذهب أبعد من ذلك حين حذّر من أنّ لبنان “قد يواجه مصيرًا وجوديًا” إن لم يُقدِم على خطواتٍ واضحة في ملف نزع السلاح.
وفي تصريحٍ اعتُبر الأكثر صراحة منذ بدء مهمته، قال باراك خلال جولته في آب 2025 إنّ “الولايات المتحدة لا يمكنها البقاء إلى ما لا نهاية في عملية تفاوضٍ لا تُترجم على الأرض”، مشيرًا إلى أنّ “الخطة ليست ضدّ حزب الله فقط، بل ضدّ كلّ واقعٍ يقيّد الدولة عن ممارسة سيادتها كاملةً”.
في المقابل، جاء الردّ الإسرائيلي تصعيديًا وغير مسبوق. ففي مطلع تشرين الثاني، أعلن نتنياهو أنّ “لبنان يتحمل المسؤولية الكاملة عن نشاطات حزب الله، وإن لم يتحرك سريعًا لتفكيك ترسانته فستتصرّف إسرائيل كما تقتضي الضرورة”. كما قال وزير الدفاع يوآف غالانت إنّ “الجيش الإسرائيلي مستعدّ لتوسيع عملياته شمالًا إذا لم يُنفّذ لبنان التزاماته”. ولم تقتصر التصريحات على التهديد، بل ترافقت مع تنفيذٍ ميدانيٍّ مباشر تمثل بغارةٍ إسرائيليةٍ على جنوب لبنان أسفرت عن مقتل أربعة عناصر من حزب الله، في رسالةٍ واضحة بأنّ مرحلة الكلام انتهت.
التزامن بين هذه المواقف لا يبدو صدفة. فبين ضغط دبلوماسي أميركي يحمل عنوان “الإصلاح والسيادة”، وضغطٍ عسكري إسرائيلي يتذرّع بـ“الأمن والردع”، تتكامل الرسائل في وجه الدولة اللبنانية: المطلوب أن تتحرك، وأن تفعل ذلك بسرعة. لكنّ ما يُغفل في هذا الخطاب هو أنّ لبنان ليس كيانًا فاقد الإرادة، بل دولة تحاول، وسط أزمتها الاقتصادية والسياسية، أن توازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات البقاء.
في الداخل، يحاول الرئيس جوزاف عون إعادة ترتيب الأولويات الوطنية بعيدًا عن ردود الفعل. فهو يدرك أنّ أيّ استجابةٍ متسرعةٍ للضغوط الخارجية قد تُفجّر الانقسام الداخلي وتنسف الثقة بالمؤسسات، فيما التباطؤ قد يُترجم عزلةً دولية وتراجعًا في الدعم المالي والعسكري. لذا يعتمد سياسة «التهدئة الفاعلة» القائمة على الحوار الداخلي وتوحيد المرجعية الأمنية تحت سقف الدولة، من دون خوض مواجهةٍ مفتوحةٍ لا مع واشنطن ولا مع تل أبيب.
لكنّ التحدّي الأكبر يبقى في الداخل اللبناني نفسه، حيث تتقاطع المزايدات السياسية مع ضعف الثقة الشعبية. فالرأي العام، الذي يُتابع مشهد التصعيد الخارجي، يعيش قلقًا متناميًا بين خيارين أحلاهما مُرّ: مواجهة الخارج وتحمل العقوبات، أو الخضوع لشروطه وخسارة السيادة. وبين هذا وذاك، يعيد الرئيس عون طرح المعادلة الأصعب: دولةٌ سيدةٌ لا تخضع للإملاءات، وجيشٌ واحدٌ يحتكر السلاح ويحمي الجميع.
إنّ لبنان اليوم لا يعيش مجرد أزمة دبلوماسية أو حدودية، بل اختبارًا لجوهره كدولة. فحين تتكامل لغة باراك التحذيرية مع لهجة نتنياهو التهديدية، يصبح السؤال أعمق من نزع السلاح أو تطبيق القرار الدولي: هل يستطيع لبنان أن يُعيد إنتاج سيادته فعلاً؟ وهل يمكن لدولةٍ صغيرةٍ محاصرةٍ بالأزمات أن تفرض توازنًا بين الاستقلال والحماية؟
الجواب لم يأتِ بعد، لكنه يُكتب اليوم في مواقفٍ مدروسةٍ تحاول أن تُثبت أنّ لبنان ليس ساحةً بل وطن، وأنّ استعادة القرار لا تكون بالخطابات، بل بقدرة الدولة على الصمود، التنفيذ، والحفاظ على وحدتها. وبين تهديدات الخارج وتشكيك الداخل، يثبت الرئيس عون أنّ الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على الوقوف، ولو بصمتٍ، في وجه العاصفة.


