“بيروت 1”: لحظة التحوّل… وعودة الشراكة اللبنانية -السعودية إلى مركز القرار

جو رحال

في لحظة فارقة يحاول فيها لبنان تجاوز أثقال الانهيار واستعادة موقعه الطبيعي في محيطه العربي، جاء مؤتمر “بيروت 1 ليشكّل خطوة أولى في اتجاه بناء ثقة حقيقية مع المجتمعين العربي والدولي.

فالمؤتمر، الذي حجز مكانه على الواجهة البحرية لبيروت، لم يكن فعلاً بروتوكولياً عادياً، بل محطة أراد لبنان من خلالها القول إن مرحلة الانتظار انتهت، وإن الدولة جاهزة للانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك.

وفي هذا السياق، خطف رئيس الجمهورية جوزاف عون الأنظار بكلمة جاءت أشبه بإعلان نوايا لنهج اقتصادي جديد يقوم على الاستقرار، الإصلاح، والشراكة الاستراتيجية مع السعودية وسائر الدول المستعدة لدعم مسار النهوض.

الرئيس عون أكّد منذ البداية أن لبنان لا يبحث عن عطف ولا عن مساعدات ظرفية، بل عن ثقة مبنية على أداء دولة قادرة على حماية المستثمر والمواطن في آن واحد. قال بوضوح إن «لبنان لا يطلب تعاطفاً بل ثقة»، واضعاً معياراً جديداً للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص: لا استثمار من دون دولة قوية، ولا نموّ من دون محاسبة فعلية وهيئات رقابية تعمل وفق القانون لا وفق المصالح السياسية. وأوضح أن الحكومة شرعت بتنفيذ مسار إصلاحي حقيقي يطال بنية الإدارة، ضبط المالية العامة، تحديث القوانين الاقتصادية، وتعزيز الشفافية، لأنها الشروط الأساسية التي يبني عليها المستثمرون حساباتهم. لكن البعد الأبرز في المؤتمر تمثّل في الحضور السعودي الوازن، والذي أعاد تأكيد عودة الرياض إلى الملعب اللبناني بطريقة مدروسة وفاعلة.

فالسعودية، التي تخوض واحداً من أكبر مشاريع التحوّل الاقتصادي في المنطقة ضمن «رؤية 2030»، تنظر إلى لبنان كشريك تاريخي وبيئة يمكن إعادة بنائها على أسس سليمة إذا توفّرت الاستقرار والإدارة الرشيدة. ومن جهته، يدرك لبنان أن أي مشروع إنقاذ حقيقي لا يكتمل من دون الدعم العربي، وبشكل خاص الشراكة السعودية التي شكلت تاريخياً رافعة مالية واستثمارية قادرة على إحداث فارق.

وقد حمل «بيروت 1» رسالة مزدوجة: لبنان يريد العودة إلى دوره الطبيعي كمركز أعمال إقليمي، والسعودية جاهزة للانخراط متى تأكّدت من جدّية المسار الإصلاحي. هذا التلاقي بين الحاجتين — اللبنانية والسعودية — يفتح الباب أمام مرحلة اقتصادية مختلفة تقوم على مشاريع بنى تحتية، استثمارات إنتاجية، اقتصاد تكنولوجي وأخضر، وتفعيل دور القطاع الخاص والمغتربين.

ومن خلال هذا المؤتمر، بدا واضحاً أن الدولة اللبنانية تحاول للمرة الأولى منذ سنوات تقديم نفسها كدولة ذات قرار، قادرة على ضمان الأمن والاستقرار، لا كدولة تُدير الأزمة يوماً بيوم. الأهم أن كلمة الرئيس عون لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل ربطت بين السيادة والاستثمار، وبين صلاحيات الدولة وقوة بيئة الأعمال.د

فقد شدّد على أن الاستقرار ليس ظرفياً ولا مرحلياً، بل شرط وجود، وأن لبنان لا يريد «هدوءاً مؤقتاً» بل قاعدة دائمة تسمح بإعادة بناء الاقتصاد وجذب الشراكات الخارجية.

هذه المقاربة الجديدة تعطي صورة واضحة: لا نهوض من دون دولة تمسك بقرارها، ولا استثمار من دون ثقة تُبنى على أداء لا على وعود.

ومع انتهاء المؤتمر، يبقى السؤال: هل يلتقط لبنان الفرصة؟ «بيروت 1» وضع البلاد أمام مفترق طريق واضح؛ فإما البناء على الزخم الناتج وتحويل التعهدات إلى إصلاحات فعلية، أو التراجع إلى دائرة الانتظار. لكن للمرة الأولى منذ سنوات، تظهر مؤشرات إيجابية توحي بأن مرحلة جديدة قد بدأت تتكوّن، وأن لبنان يعود تدريجياً إلى خريطة الاهتمام العربي، وبشكل خاص السعودي، في لحظة يحتاج فيها إلى استعادة اقتصاده ومكانته ودوره.

بهذا المعنى، شكّل «بيروت 1» أكثر من مؤتمر… لقد كان بداية تحوّل، ورسالة بأن لبنان يملك فرصة حقيقية إذا أحسن استثمارها، وأن العودة العربية إليه ممكنة إذا أثبت قدرة مؤسساته على العمل والمساءلة، وإذا بقي القرار الوطني في يد الدولة، كما أراد الرئيس عون أن يؤكد في كلمته.

شارك المقال