تفاوضٌ ضروريٌّ لكن ملغوم: لا مفرّ من “نزع السلاح”

عبدالوهاب بدرخان

التفاوض السياسي مع إسرائيل، عبر “الميكانيزم” أو على هامشه، هو قبولٌ مشروطٌ أميركياً وإسرائيلياً بمنح لبنان وقتاً مستقطعاً لاستشراف ما يمكن أن يتنازل عنه في مسألة “التطبيع”. سبق للرئيس الأميركي ومبعوثيه أن طرحوا فكرة إقامة “منطقة اقتصادية” في المنطقة الحدودية من الجنوب، وعندما أشار إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي كان يبلّغ لبنان أن تخليه عن خيار استئناف الحرب، بناءً على رغبة واشنطن، ثمنه “التعاون الاقتصادي”. وردّ رئيس الحكومة نواف سلام بأن بنيامين نتنياهو “ذهب بعيداً”، مؤكّداً أن ما يحصل ليس “مفاوضات سلام”. وفي اجتماع لجنة المراقبة شدّد الجانب الإسرائيلي على أن نزع سلاح “حزب إيران/ حزب الله” يبقى أولوية، أو “إلزامياً”، كما أعلن مكتب نتنياهو. أمّا بيان السفارة الأميركية عن الاجتماع فيوحي بأن التفاوض السياسي “المستدام” هو ما يستقطب اهتمام واشنطن آنياً “بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الدائم”. أي أن الهدف الذي تحاول بيروت حصره في “تهدئة التوترات” سيكون أقلّ من المطلوب منها.

بدا قرار لبنان الذهاب إلى التفاوض، من دون التوقف عند الشكل “غير المباشر” أو “المباشر”، كأنه أراد البناء على زخم معنويات وفّرته زيارة البابا لاوون الرابع عشر. وليس مستبعداً أن يكون البابا وعد بدعم هذا التوجّه عبر قنواته الدبلوماسية مع واشنطن وباريس وسواهما. غير أن الفاتيكان أكد في مناسبات عدة، آخرها في بيروت، أنه مع السياق الدولي العام المطالب بأن يكون “السلاح في يد الدولة”، لكن صمته المدروس يُعزى إلى أنه معنيٌّ أولاً بأن لا تنعكس تطورات الشأن الداخلي سلباً على مسيحيي لبنان، وثانياً قد لا يستطيع التأثير في توجّهات الإدارة الأميركية الحالية وتفاهماتها مع إسرائيل. وعدا ذلك فإن الفاتيكان لا يختلف كثيراً عن أي دولة أخرى في تحديد سياسته تجاه لبنان وما يمكن أن يفعله من أجله.

ربما تفادى لبنان الكارثة موقتاً، وربما تمكّن فقط من تأجيلها، لكن إسرائيل والولايات المتحدة وإيران تبقى مندفعة بقوةٍ إليها، ولا تزال متأهبة لها. لا أطراف أخرى تستطيع وقفها، حتى لو أرادت. الغرب والعرب باقون واقعياً في مزاج “7 أكتوبر” الذي ينبغي أن يفضي إلى الخلاص من “حزب إيران” وسلاحه في لبنان، بعد شبه الخلاص من “حماس” وسلاحها في غزة. وأُضيف إلى الأجندة احتمال أن تصنّف واشنطن جماعة “الإخوان المسلمين” وفروعها “منظماتٍ إرهابيةً”. لكن أحداً لا يفكر في الضرورة الحتمية الموازية: تصنيف “الصهيونية الدينية” (حزب سموتريتش) و”الصهيونية القوية” (حزب بن غفير) وعصابات المستوطنين الإسرائيليين منظماتٍ إرهابيةً أيضاً، إذ إن اعتناقها قولاً وفعلاً نهج الإبادة الجماعية وتأثيرها في قرارات الحكومة جعل من إسرائيل “دولة إرهابية”. وما لم يتم اعتماد هذا التصنيف فإن مساعي “السلام” ستبقى سطحية ولن تكتمل.

اتّبعت الدولة اللبنانية أحكام الدستور في التعامل مع “حصرية السلاح”، لكن ترهيب “الحزب” جعل وزراء “الثنائي الشيعي” رسلَ انقسام حول ما يجب أن يكون موضع إجماع، فساهموا في تكريس واقع أن السلاح فوق سلطة الدولة والدستور، كما يريده “الحزب”. وإذ نفّذ الجيش جلّ مهماته في “جنوب نهر الليطاني”، إلا أنه يصطدم بمنعه من تفتيش البيوت وحظر حضور كوادر “الحزب” على الأرض، بحجة زيارة قراهم وبلداتهم أو العودة إليها، رغم أن دقة الظروف توجب منعهم بل اعتقالهم لأنهم يساهمون في إبقاء حال الحرب، ولأن قادتهم يدفعونهم إلى حيث يصطادهم العدو كي يتمكّن “الحزب” من ادّعاء أن حال “المقاومة” قائمة ومستمرّة طالما أن هناك احتلالاً لمناطق لا يُعرف إذا كان يعترف بأنها لبنانية ينبغي استرجاعها لمصلحة لبنان ودولته وسيادته، أم يعتبرها “غنائم” تحصّلت عليها إيران ويريد استعادتها لتبقى إيرانية.

لا تجهل الإدارة الأميركية ومبعوثوها أن نزع سلاح “الحزب” قد يتسبب بفتنة داخلية، أو “حرب أهلية”، ومع ذلك أصرّوا على التنفيذ الفوري له ضمن مهل زمنية محددة، كما لو أنهم يدفعون بالبلد دفعاً إلى تلك الفتنة. لكن الدولة اللبنانية لم تستطع الإقناع بأن لديها خططاً بديلة تحصر السلاح بوتيرة أبطأ، وبهروبها إلى التفاوض السياسي ستواجه ضغطاً أميركياً مزدوجاً لـ”نزع السلاح” و”التعاون الاقتصادي مع إسرائيل” معاً. هذا “التعاون” يمكن أن يكون خطوة طبيعية في ظل سلام حقيقي، أمّا في حاله الراهنة فهو عنوانٌ لخدعة واستدراج إلى نوع من التطبيع الذي يعلم الأميركيون مسبقاً أنه قد يُحدث انقساماً داخل لبنان أسوأ من الانقسام بشأن السلاح، خصوصاً أن ما يسمّى “تعاملاً اقتصادياً” يُطرح في ظروف غير طبيعية ويحمل طابع إرغام للبنان ويُستهدف منه إنشاء “منطقة عازلة” على أراضٍ وعقارات لها مالكون. الأولى أن تُصفّى ملفات الحرب والاحتلال والاتفاق على إلغاء “حال الحرب” الرسمية بين البلدين، وكذلك الشروع في إنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية وفقاً للمبادرة العربية للسلام، قبل البحث في أي أمر آخر.

شارك المقال