بعد عام على سقوط نظام الأسد، ونجاح الثورة السورية، وعلى عكس كل التوقعات بأن العلاقات بين دمشق وموسكو ستتدهور، إلا أن ما حصل كان العكس تمامًا، إذ بقيت العلاقات مستقرة مع وجود فرص عدة للتعاون والتنسيق. فالأتفاقيات الموقعة خلال عهد الأسد لم يتم إلغاء أي معاهدة رئيسية منها، بل عُلّق معظمها، في الوقت الذي تقوم فيه دمشق بإعداد مراجعات وتقييمات لها.
وعملت دمشق على كسب دعم اقتصادي من موسكو، خصوصًا في مجالات الطاقة والوقود وإعادة الإعمار، وهو ما تُرجم في تموز باتفاق على مراجعة مجمل العقود السابقة.
فموسكو أعادت ترتيب أولوياتها في سوريا بواقعية واضحة، وتقبّلت تراجع نفوذها، لكنها حرصت على عدم خسارة الموقع السوري بوصفه ركيزة استراتيجية لا غنى عنها لحضورها الإقليمي ولمساراتها العسكرية نحو إفريقيا.
فالروس، وقبل سقوط الأسد، عملوا على فتح قنوات تواصل مباشرة أو عبر تركيا مع القوى المعارضة حينها، وهو ما انعكس عمليًا في تحييد القواعد الروسية في حميميم وطرطوس خلال الهجوم الذي أطاح بالأسد.
وهنا يجب الإشارة إلى زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين في تشرين الأول الماضي، حيث جرى البحث في الكثير من الملفات الأساسية والحساسة، منها التعاون الثنائي واستمرار الوجود العسكري الروسي في سوريا. وأشار الشرع حينها إلى أن دمشق “أقامت علاقات هادئة مع روسيا” بعد سقوط النظام، مضيفًا أن الحوار في القطاع الأمني سيستمر.
حنكة الرئيس الشرع ظهرت في عدم القطيعة مع أي طرف، وتمكّنه بسياساته الخارجية، عبر الوزير أسعد الشيباني، من موازنة التموضع السوري الجديد بين مختلف الأقطاب العالمية، طبعًا بدعم سعودي لإعادة سوريا إلى دورها الفاعل إقليميًا ودوليًا.
زاخاروفا
أكدت وزارة الخارجية الروسية أن العلاقات بين موسكو ودمشق تشهد في المرحلة الراهنة نشاطًا مكثفًا وتواصلًا منتظمًا على المستويين السياسي والاقتصادي، مشددة على أن سوريا تُعد “شريكًا مهمًا تقليديًا” لروسيا في الشرق الأوسط.
وفي مؤتمر صحفي في موسكو، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن التعاون بين البلدين يمتد “لأكثر من عدة عقود، وظل طوال هذه السنوات قائمًا على الصداقة والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح الطرفين”.
وأضافت أن روسيا “كانت دائمًا تقف إلى جانب الشعب السوري عندما كان بحاجة إلى الدعم، واليوم يحتاج السوريون إلى المساعدة في إعادة بناء اقتصادهم الذي تضرر بشدة من الأزمة الطويلة، ونحن مستعدون لتقديم هذا الدعم”، مشيرة إلى أن الشركات الروسية تمتلك الخبرة والإمكانات اللازمة لذلك.
تواصل سياسي واقتصادي
وعلى الصعيد السياسي، قالت المسؤولة الروسية إن الاتصالات الرسمية بين البلدين أصبحت “شبه منتظمة”، مؤكدة وجود تبادل وفود مستمر واجتماعات رفيعة المستوى.
وأشارت إلى اللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره السوري أحمد الشرع في 15 تشرين الأول الماضي، معتبرة أنه “أكد الاستعداد المتبادل لتطوير التعاون الثنائي في الظروف الجديدة”.
ووفق المتحدثة باسم الخارجية الروسية، عُقد في موسكو اجتماع اللجنة الروسية – السورية الدائمة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي – التقني، الذي ناقش مشاريع مشتركة وخططًا للتعاون في عدة قطاعات.
كما أشارت إلى زيارة وفد روسي بين 15 و19 تشرين الثاني إلى دمشق برئاسة وزير البناء والإسكان الروسي إريك فايرزولين، حيث جرى تحديد “أولويات العمل المشترك للمرحلة المقبلة”، لافتة إلى أن المشاورات بين المؤسسات الاقتصادية والفنية في البلدين ستستمر بوتيرة متصاعدة.
الاقتصاد السوري
وشددت زاخاروفا على أن روسيا ترى في إعادة الإعمار الاقتصادي في سوريا “مهمة ملحّة”، مؤكدة استعداد موسكو لتوفير “الدعم الفني والاستثماري عبر شركاتها المتخصصة”.
وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية أن إعادة تأهيل البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والخدمات الأساسية تمثل مجالات رئيسية ستشهد تعاونًا موسعًا بين الجانبين، ضمن مسار يهدف إلى “استعادة الحياة الطبيعية وتحريك عجلة الاقتصاد السوري”.


