«الشيخ الأحمر» لعباس بيضون: التدين في مواجهة الجسد

نزار عثمان السمندل

عنوان ينهض من التناقض، واسم يجرّ خلفه أسئلة ملغومة بالذاكرة. «الشيخ الأحمر» لعباس بيضون ليست عودة إلى التاريخ بوصفه أرشيفاً، بل تفتيشاً في طبقاته العميقة، حيث الأفكار تتصارع مع الأجساد، والتدين يختبر حدوده أمام الحرية، والقرية الصغيرة تتحول إلى مرآة لأسئلة كبرى لم تهدأ بعد.

سرد الرواية ينفتح على زمن عثماني يبدو بعيداً في التقويم، قريباً في الوجدان. هناك، تتشكّل سيرة عبد الحسين، الفتى الآتي من جنوب لبنان، الذي شدّ رحاله إلى النجف بحثاً عن علوم الدين، فعثر على الفلسفة، وخرج منها بلقب ملتبس: شيخ تتوهج حوله حمرة الفكر والشك والرغبة. اللقب لا يزيّن الشخصية بقدر ما يفضحها، ويضعها في قلب التوتر بين ما يُنتظر من رجل دين وما يختاره لنفسه.

الحبكة تتقدّم بإيقاع سريع، مكثّف، يخلو من الزوائد، كأن بيضون تعمّد أن يترك فراغات مدروسة ليملأها القارئ بأسئلته. النساء في حياة عبد الحسين لسن زينة سردية، بل مفاتيح لفهم عالم كامل. أرامل ومطلقات، علاقات تُقرأ اجتماعياً باعتبارها حماية وتحصيناً، لكنها في العمق اختبار دائم لحدود الأخلاق السائدة، ومساءلة صامتة لفكرة الفضيلة حين تُفرض كقالب جاهز.

العودة إلى القرية تفتح فصلاً أكثر تعقيداً. زواج عبد الحسين من خديجة العراقية يبدو استقراراً مؤقتاً، سرعان ما يتصدّع بحضور «عاصمة»، أخت الزوجة، التي تدخل البيت كظل، ثم تتحول تدريجياً إلى مركز ثقله. بعد رحيل خديجة، تقف عاصمة أمام امتحان أخلاقي حاد، حيث يتقاطع الشرع مع العاطفة، والعادة مع الضمير، والرغبة مع الوفاء. هنا تبلغ الرواية ذروتها الفكرية، حين تضع امرأة في مواجهة خيارات لا تحسمها النصوص وحدها.

اللافت أن بيضون لا يكتب عن الماضي ليحتفي به، ولا ليستنكره، بل ليضعه في مواجهة الحاضر. الأسئلة التي تتسرّب من بين السطور تتجاوز الحكاية: هل نعيش زمناً مختلفاً حقاً؟ أم نعيد إنتاج الأسئلة نفسها بأسماء أخرى؟ أين تقف الحرية حين تُحاصر باسم الجماعة؟ وكيف يمكن للجسد أن يكون ساحة صراع فكري وأخلاقي في آن؟

اختيار الشكل القصير، في 135 صفحة موزّعة على 23 فصلاً، يمنح النص كثافة نادرة. لا تمهيد طويل، ولا شروح زائدة، بل دخول مباشر إلى مناطق التوتر، حيث الشخصيات تُعرّف بنفسها عبر أفعالها، لا عبر خطب تفسيرية. هذه الخفة الظاهرية تخفي عمقاً فلسفياً، يجعل الرواية أقرب إلى «نوفيلا» مشحونة بالمعنى.

عباس بيضون، الشاعر والروائي والصحافي، يواصل في «الشيخ الأحمر» مشروعه في تفكيك المسكوت عنه، مستفيداً من خبرة شعرية تمنح اللغة توهّجها، ومن وعي روائي يعرف كيف يترك الفكرة تعمل في صمت. العمل لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يضع القارئ في مواجهة مرآة مقلقة، تقول إن التاريخ لا يمضي، بل يغيّر أقنعته فقط.

شارك المقال