مناطق إسرائيل “العازلة” تحبط أي تفاوض أو اتفاقات

عبدالوهاب بدرخان

هل كان في الإمكان إنهاء هذه السنة ولبنان في حال أفضل مما هو عليه؟ نعم، ولكن. فعملية إنزال “حزب السلاح غير الشرعي” من شجرة التعنّت والمكابرة بدت أكثر صعوبة من مجرد عبارة أو عبارتين في الاتفاق الذي وافق عليه تحت ضغوط هزيمته الميدانية أمام العدو الإسرائيلي، وحتى أكثر تعقيداً من قرار يتخذه مجلس الوزراء، ولذلك بلغت المواجهة بين “الحزب” والدولة حدّاً بالغ الخطورة. في المقابل، بدت عملية “حصر منظومة الفجوة المالية” بالصعوبة نفسها، رغم التشريعات التي توصّلت إليها الحكومة ومحاولاتها إنجاز تفاهمات مع الهيئات الدولية، ولذلك لم يتقدّم البلد بعد نحو بداية التعافي المفترض من الأزمتين الاقتصادية والمالية. ولم تكن هناك أي مفاجأة في أن ملفَّي نزع السلاح وإنهاض الاقتصاد وإعادة الإعمار مترابطان، إذ تتوقّف معالجتهما على اقتناع الأطراف العربية والدولية بأن قرار الدولة تحرّر من “إرهاب الحزب”، وأن لبنان لم يعد جزءاً من “محور الممانعة” الإيراني، رغم تراجعه.

خلال العام المنتهي، أمكن للبنانيين أن يتيقّنوا من أمور عدّة كانوا يعرفونها ويفضّلون ألّا يعترفوا بها، فقط للحفاظ على آمال، ولو كاذبة أو وهمية. من ذلك، مثلاً، ما قيل وتكرّر بأن “الحزب” لبناني وينتمي إلى طائفة لبنانية، وما ردّده قادته عن التزام بالدولة واحترام للجيش وقبول بـ”اتفاق الطائف”… حتى شاع الظنّ بأن مراجعاته للحرب ونتائجها مالت به نحو الواقعية والاعتدال. لكن تبيّن أنه كان كلاماً للتعمية والتمويه، إذ إن رفضه المطلق تسليم سلاحه لم يكن بدافع “لبنانيّته”، بل تفعيلاً لـ”إيرانيّته”، ثم اتضح أن طهران وجدت سُبلاً لاستئناف تمويله وتسليحه، فعاد إلى الاستقواء على الدولة، والتهديد بتحريك خروقاته للجيش والأجهزة، عدا محاولاته التعيسة لفتح “حوارات” مع السعودية ودول أخرى إنعاشاً لـ”دويلته”. أما “بيئته”، فكان كافياً أن يرشيها ببعض الأموال حتى تعود إلى الالتفاف حوله، رغم علمها بأنه لا يستطيع تمويل إعادة الإعمار، وأنه تسبّب لها بخسائر وأضرار لا يمكنه تعويضها.

ومن ذلك أيضاً، ما ظهر سابقاً من دعم أميركي للدولة، خصوصاً بشخصَي رئيسي الجمهورية والحكومة، وبالأخص للمؤسسة العسكرية. غير أن هذا الدعم المزمن كان ولا يزال مرتبطاً بأجندة مجرمي الحرب الإسرائيليين، بدليل أن الأميركيين ظهروا فجأة كأنهم لا يعرفون الجيش وأوضاعه التسليحية، ولا يريدون تفهّم الاعتبارات التي أبداها حيال تولّيه مسألة “حصر السلاح”، سواء بالنسبة إلى المهل الزمنية، أو إلى إمكاناته العسكرية البحتة، أو إلى هواجسه المتعلّقة بالأمن الأهلي. وهكذا، أدرك اللبنانيون أن الأميركي ليس “صديقاً” ولا يستطيع أن يكون كذلك، بل إنه لا يتوانى عن أن يكون “مخرّباً” ما لم تُنفَّذ إملاءاته بالطريقة والتوقيت اللذين يريدهما.

مع ذلك، يشير اجتماع باريس، بمشاركة أميركية وسعودية، وإمكان عقد مؤتمر لدعم الجيش، إلى أن واشنطن عدّلت مواقفها ولم تعد تضغط للاستعجال. كما أن رعايتها لآلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم) شهدت شيئاً من “التهدئة”، رغم الهياج المستمر لدى الجانب الإسرائيلي، فالسائد حالياً أن المهل الزمنية قد مُدِّدت، وأن التهديد الإسرائيلي بأي “عملية عسكرية واسعة” لن يُنفَّذ إلا بـ”موافقة أميركية”. لكن هذه “المهادنة” لم تكن مجانية، بل لقاء انتزاع التفاوض داخل “الميكانيزم” على مستوى سياسي، مع فتح ملف “تعاون اقتصادي” مفترض في المنطقة الحدودية، بهدف تغيير وظيفتها من جبهة قتالية بناها “الحزب” لمصلحة إيران إلى منطقة صناعية. هذا ما سمح لبعض المحللين في واشنطن وإسرائيل بتوقّع توجّه لبنان، أو توجيهه، إلى نمط من “التطبيع”، إذ إن إدارة مبرمجة على كلمة مفتاحية هي “الاتفاقات الإبراهيمية”.

لكن، قبل “التطبيع” الذي لا يبدو واقعياً في هذه المرحلة مهما ضُخِّم الحديث عنه، اعترف الأميركيون بأن عملية “نزع السلاح” ليست بالسهولة التي تخيّلوها أو تلك التي يتصوّرها الإسرائيليون. ففي سعيها إلى اجتذاب دول للمشاركة في “قوة الاستقرار الدولية” في قطاع غزّة، وجدت واشنطن تردّداً كبيراً حتى من جانب دول تعتبرها قريبة أو حليفة، ومع أنها أدخلت تعديلات على المهمات والصلاحيات المرسومة لهذه القوّة، إلا أن حوارها الجانبي مع حركة “حماس” بلور أفكاراً كـ”احتواء” السلاح أو “تجميده” بدل استخدام القوة لنزعه، كما فعلت إسرائيل خلال الحرب وفشلت. وهي تحاول الآن فرض أحد خيارين: إما أن يُعتمد أسلوبها في عمل القوّة الدولية المقترحة، أو يُعهد إلى قواتها بنزع السلاح، متذرّعة بالخبرة التي اكتسبتها خلال الحرب. ويبدو أن الأميركيين يرجّحون الآن الاعتماد على دول (مصر وتركيا وقطر) قادرة على “التفاهم” مع “حماس” بغية احتواء السلاح في غزّة، لكن هذه الدول تريد التزاماً أميركياً واضحاً بحمل إسرائيل على الانسحاب من القطاع، لا الإصرار على احتلال شريط حدودي بداعي إقامة “حزام أمني”.

أما بالنسبة إلى لبنان، فيمكن التعويل على جهود الدولة والجيش، لأن ثمة شكوكاً أميركية في أن تحقق أي عملية إسرائيلية الهدف المتوخّى منها، إذ إنها يمكن أن تقتل أكثر وتدمّر أكثر من دون أن تنزع السلاح. غير أن نجاح جهود الدولة والجيش يتوقف، من جهة، على استعدادات “الحزب” لأن يكون “عقلانياً”، ومن جهة أخرى على مفاوضات “الميكانيزم” التي يركّز فيها لبنان على انتزاع انسحاب إسرائيل من كلّ الأرض التي احتلّتها. وقد تكون استعادة السيادة على التلال الخمس هي الأكثر صعوبة، لأن إسرائيل بنت استراتيجيتها على إقامة مناطق عازلة، ليس في غزّة ولبنان فحسب، بل أيضاً في جنوب سوريا، حيث نجحت موقّتاً إلى حدّ بعيد، ولا تبدو معنيّة بـ”اتفاق أمني” مقترح لقاء ضمانات تعرضها دمشق.

شارك المقال