في الجنوب… الأرض لا تُهجر رغم قلّة الإنتاج

نور فياض

لم تكن الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان مجرّد مواجهة عسكرية، بل شكّلت ضربة قاسية للقطاع الزراعي، الشريان الأساسي لحياة أهالي الجنوب، ولا سيّما في القرى الحدودية التي يعتمد سكّانها بشكل شبه كامل على مردود الأرض. وبحسب تقديرات وزارة الزراعة والبنك الدولي، بلغت الخسائر الزراعية نحو 800 مليون دولار، وتضرّر أكثر من 4,000 هكتار، دُمّر 20% منها بالكامل، واقتُلعت مئات بساتين الزيتون والحمضيات، كما تضرّرت منشآت إنتاجية أساسية. وتفاقمت هذه الخسائر مع موسم مناخيّ قاسٍ، حيث تراجعت الأمطار إلى أقلّ من 50% من معدّلاتها الطبيعية.

ورغم انتهاء العمليات العسكرية المباشرة، لا يزال الجنوب يرزح تحت اعتداءات وتهديدات أمنية تمنع المزارعين من العودة الآمنة إلى أراضيهم، ما يجعل الإنتاج الزراعي اليوم محدودًا جدًا، وغالبًا ما يقتصر على تلبية احتياجات العائلة بعيدًا عن السوق، في وقت تراجعت فيه مواسم عدّة بسبب الحرب وتمركز العدو في المناطق الحدودية وتهديداته المستمرة. اليوم، يقتصر الإنتاج الزراعي بشكل شبه كامل على تلبية احتياجات العائلة فقط، إذ لا تزال أجزاء كبيرة من الأراضي محتلة أو مهدّدة بالخطر من قبل العدو. ومع ذلك، يواصل الأهالي الزراعة كوسيلة لتثبيت جذورهم في الأرض والتأكيد أنهم لن يتخلّوا عن حقّهم فيها، مهما بلغت الصعوبات والتهديدات. فالزراعة هنا ليست مجرد عمل اقتصادي، بل فعل صمود ووفاء للأرض والهوية.

منذ اليوم الأول، اعتمد العدو سياسة “الأرض المحروقة” في واحدة من أخطر الجرائم البيئية، مستهدفًا الزراعة لضرب صمود الأهالي ومنع عودتهم إلى أرضهم، في إطار نهج يقوم على عسكرة الغذاء والبيئة وتفريغ الأرض من أشجارها لتسريع تهجير سكّانها، ما يجعل الزراعة اليوم فعل صمود وتثبيت الناس في أرضهم، وأولوية وطنية ملحّة لتعويض الخسائر وحماية الهوية.

يقول المواطن والمزارع جميل غيث عبر “لبنان الكبير”: “رغم إقامتي الدائمة في بيروت، لم أنقطع يومًا عن أرضي في الضيعة. في نهاية كل أسبوع أعود إليها مصطحبًا أولادي، لا بوصفها مكانًا للزيارة، بل باعتبارها أصل الحكاية. أريدهم أن ينشأوا وهم يدركون أنّ جذورهم ليست في المدينة وحدها، بل في هذا التراب الذي حفظ تاريخ العائلة وصاغ علاقتها بالحياة”.

ويلفت غيث إلى أنّ “الاهتمام بالأرض اليوم لم يعد تفصيلًا يمكن تأجيله”، معتبرًا أنه إذا تعذّر البناء في هذه المرحلة يبقى بالإمكان على الأقل حماية ما تبقّى: الأرض والزراعة، فالأرض إن تُركت تُهمَل، وإن اعتُني بها تبقى حيّة.

ويؤكّد أنّ “الحرب علّمتنا أن الأشجار التي زرعها الأجداد هي التي صمدت وبقيت، لأنها من طبيعة هذه الأرض وتعبّر عن تاريخها وثقافتها، مثل التين والجوز واللوز”، موضحًا أنّ “هذه الأشجار ليست مجرد إنتاج زراعي، بل ذاكرة متجذّرة في هذا التراب”. ويدعو “كل من يملك أرضًا، مهما كانت مساحتها، إلى عدم تركها مهملة، بل استثمارها والعمل فيها”، معتبرًا أنّ “الزراعة اليوم ليست خيارًا ثانويًا بل فعل التزام وانتماء، وأن كل شجرة تُزرع هي خطوة إضافية لتثبيت الوجود وترسيخ العلاقة بالأرض”.

كلّما اتجهنا نحو المناطق الحدودية، أصبح المزارع بحاجة إلى إذن من الجيش وقوات “اليونيفيل” لتشجير أرضه أو العمل عليها، ما جعل عملية الزراعة معقّدة ومحدودة. وفي هذا الواقع الصعب، برزت مبادرة “استعارة الأرض”، حيث يقوم أهالي القرى المجاورة بزراعة أراضٍ يملكها أشخاص غير متواجدين حاليًا في البلدة، بعد موافقة أصحابها، بهدف الحفاظ على النشاط الزراعي ومنع تحوّل هذه الأراضي إلى مساحات مهجورة.

ويقول أحد المزارعين من بلدة بليدا: “واقع الزراعة اليوم بات شديد الصعوبة، إذ لم تعد المساحات المزروعة تتجاوز حدود الأراضي القريبة من المنازل، حيث يعتني المزارع بنفسه بالشتول ويزرع ما تيسّر من محاصيل تكفي حاجته وحاجة عائلته فقط، بعيدًا عن أي بيع أو توزيع. أمّا البساتين الواسعة التي كانت تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في البلدة، فما زالت إمّا قاحلة أو غير قابلة للوصول، بفعل الاعتداءات المتكرّرة والمخاطر الأمنية التي تحيط بالمناطق الزراعية المفتوحة”.

ويضيف: “هذه الحال لا تنعكس فقط على الإنتاج الزراعي، بل تمسّ جوهر الاستقرار الاجتماعي في القرى الحدودية، حيث يعيش الأهالي أساسًا من الزراعة. فغياب القدرة على الوصول إلى الأرض يعني غياب الدخل وتراجع فرص البقاء في القرى. المبادرات مثل “استعارة الأرض”، رغم بساطتها، تعكس تمسّك الناس بأرضهم ورفضهم تركها فريسة للإهمال أو للتهجير غير المباشر”.

كذلك بدأ المزارعون، بالتعاون مع قوات “اليونيفيل”، التحضير لإعادة إحياء بعض الأراضي، على أن تكون زراعة الزيتون باكورة هذه العودة التدريجية إلى الأرض. يقول المزارع: “الزيتون ليس مجرّد شجرة، بل إعلان صمود… عندما نزرع الزيتون، نحن نقول إننا باقون، وأن الزراعة اليوم هي لتثبيت جذورنا وليس للبيع”.

ويأمل أبناء البلدة أن يشكّل الموسم المقبل نقطة تحوّل، فتعود البساتين إلى الخضرة، ويستعيد الأهالي إيقاع حياتهم الطبيعي بين الحقول، وتفتح البيوت أبوابها مجددًا أمام من هجّرتهم الحرب قسرًا. فعودة الزراعة في هذه القرى ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل هي مسألة وجود وهوية وبقاء على الأرض.

على الرغم من أنّ الإعمار لا يزال مؤجّلًا، وأن الزراعة باتت مشروطة بالموافقات والإجراءات والظروف الأمنية، إلا أنّ الثابت الوحيد في هذا المشهد المتقلّب هو أنّ الأرض لن تكون يومًا متروكة. قد تتأخّر البيوت في النهوض من جديد، وقد تتعثّر المواسم، وقد تنتظر الأشجار إذنًا لتُزرع، لكن العلاقة بين الإنسان وأرضه لم تنكسر. ففي الجنوب، لا تُقاس العودة بالخرسانة وحدها، بل بكل شتلة تُغرس، وكل بستان يُستعاد، وكل يد ترفض أن تترك التراب فريسة للنسيان.

شارك المقال