مع نهاية عام 2025، يمكن القول إن لبنان أنهى مرحلة شديدة الدقة في تاريخه الحديث، ودخل مسارًا مختلفًا في طريقة إدارة أزماته، لا في حجمها. فالتحوّل الذي شهده هذا العام لم يكن في النتائج السريعة، بل في المنهج. ومن هنا، يبرز عام 2025 كعامٍ تأسيسي في عهد الرئيس جوزاف عون، أُعيد فيه الاعتبار لمنطق الدولة، بهدوء ومسؤولية، في بلد اعتاد الارتجال وردود الفعل.
تسلّم الرئيس عون مهامه في لحظة إقليمية ضاغطة: حرب في غزة، توتر دائم على الحدود الجنوبية، وانهيار اقتصادي داخلي غير مسبوق. أمام هذا الواقع، اختار مقاربة واقعية تقوم على تثبيت الاستقرار ومنع الانهيار الكامل، بدل القفز إلى مواجهات أو إطلاق وعود غير قابلة للتحقق. مقاربة تُدرك حدود الممكن، لكنها لا تتخلّى عن الثوابت.
في الملف الأمني، شكّل الجنوب التحدي الأبرز. الخروقات الإسرائيلية استمرت، لكن طريقة التعاطي الرسمي اختلفت. فقد تعاملت رئاسة الجمهورية مع الملف باعتباره قضية سيادية تُدار عبر الجيش اللبناني أولًا، وبالتوازي مع المسارات الدبلوماسية والتقنية، لا كساحة مزايدات داخلية. إعادة تنظيم المقاربة اللبنانية في اجتماعات الناقورة، وتكريس الحضور المدني–الدبلوماسي إلى جانب العسكري، عكسا قرارًا بإعادة الإمساك بالملف من داخل الدولة، ونقل المواجهة من منطق الانفعال إلى منطق الإدارة السياسية للنزاع.
أما ملف السلاح، فبقي الأكثر حساسية وتعقيدًا. اختار الرئيس عون التعامل معه كمسار وطني طويل الأمد، لا كعنوان شعبوي. فثبّت هدف حصر السلاح بيد الدولة كأفق سياسي واضح، لكنه ربطه بالحوار، وببناء الثقة، وبقدرة الدولة نفسها على النهوض بمسؤولياتها. هذه المقاربة، وإن بدت بطيئة للبعض، عكست فهمًا عميقًا للواقع اللبناني، حيث لا تُبنى الدولة بالكسر، ولا تُفرض السيادة بالمواجهة الداخلية.
اقتصاديًا، كان عام 2025 مفصليًا مع إقرار مشروع قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء. فللمرة الأولى منذ بداية الانهيار، جرى الاقتراب من جوهر الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها. لم تكن الخطوة سهلة، ولا حظيت بإجماع، لكنها عكست قرارًا سياسيًا بكسر حلقة التعطيل وفتح الباب أمام مسار إصلاحي جدي، يُشكّل شرطًا أساسيًا لإعادة وصل لبنان بالثقة الدولية. ويبقى التحدي الحقيقي في التنفيذ، إلا أن ما تحقق هو تثبيت الاتجاه.
وفي السياق السيادي–الاقتصادي نفسه، جاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص ليؤكد أن الدولة قادرة على حماية حقوقها عبر القانون والدبلوماسية. لم يُقدَّم الاتفاق كحل سحري للأزمة، بل كخطوة استراتيجية تعيد لبنان إلى الخريطة القانونية لشرق المتوسط، وتفتح أفقًا مستقبليًا للاستثمار في قطاع الطاقة ضمن إطار مستقر.
إداريًا، شكّلت إعادة تنظيم إدارة مرفأ بيروت إشارة إضافية إلى نية واضحة في استعادة الدولة سيطرتها على مرافقها الحيوية. خطوة لا تختصر مسار الإصلاح، لكنها تضع حدًا لسنوات من الفوضى، وتؤسس لمنطق الحوكمة والمساءلة في أحد أهم شرايين الاقتصاد الوطني.
من هنا، يمكن توصيف عام 2025 بأنه عام إعادة تثبيت البوصلة. لم يكن عام إنجازات كبرى، لكنه كان عام منع الانهيار، وضبط الإيقاع، ووضع الأسس. رئاسة لعبت دور الحكم لا اللاعب، وفضّلت إدارة التناقضات بدل تفجيرها، واختارت البناء الهادئ بدل السعي إلى المكاسب السريعة.
سيكون عام 2026 عام الاختبار الحقيقي: اختبار ترجمة القوانين إلى أفعال، وحماية المسار الاقتصادي من التعطيل، وتثبيت الاستقرار الأمني، وتعميق إصلاح الإدارة. ولن يُقاس نجاح العهد بحجم التحديات، بل بقدرته على الاستمرار في النهج نفسه: هدوء في القرار، وصلابة في الثوابت، وواقعية في إدارة بلد لا يحتمل المغامرات.
في الخلاصة، يمكن تسجيل عام 2025 كعام عاد فيه منطق الدولة إلى الواجهة. لا ادّعاء إنجاز، ولا بيع أوهام، بل تثبيت لمسار. وفي لبنان، غالبًا ما يكون تثبيت المسار هو الإنجاز الأهم.


