استعادت الحكومة السورية مؤخرًا السيطرة على أبرز حقول النفط والغاز في شمال وشمال شرق البلاد، وهي المنطقة المعروفة بالجزيرة السورية، وذلك بعد انسحاب قوات “قسد” منها، ما أدى إلى إنهاء سيطرة القوات الكردية على هذه الموارد.
وشملت السيطرة حقولًا استراتيجية في دير الزور والحسكة، من بينها العمر وكونيكو، في خطوة تُعدّ مفصلية على صعيد بسط سلطة الدولة على قطاع الطاقة، وفتح الباب أمام إعادة تشغيل الحقول وتعزيز الإيرادات.
تُعدّ منطقة الجزيرة السورية، الواقعة بين نهري دجلة والفرات، والتي تشمل محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، الركيزة الأساسية للاقتصاد السوري، لما تختزنه من مزيج استثنائي من الموارد الطبيعية التي تجمع بين الطاقة والزراعة والمياه.
وقد منحها هذا التنوّع موقعًا متقدمًا بوصفها المصدر الرئيسي للغذاء والطاقة في البلاد، ورسّخ دورها كعمود فقري للاقتصاد الوطني.
وتستحوذ الجزيرة على القسم الأعظم من الثروات النفطية والغازية السورية، إذ تحتضن أبرز الحقول المنتجة، من بينها رميلان والسويدية في محافظة الحسكة، والعمر والتنك في دير الزور، فضلًا عن مخزون غازي واسع يُقدَّر بنحو 58% من إجمالي الاحتياطي الوطني. وتُظهر هذه المعطيات أن المنطقة تشكّل مركز الثقل الحقيقي لقطاع الطاقة في سوريا.
ولا تقتصر أهمية الجزيرة على بعدها الاقتصادي، بل تتعزز قيمتها الاستراتيجية بفعل موقعها الجغرافي، إذ تشكّل نقطة وصل حيوية لخطوط النقل والطاقة، وتمر عبرها شبكات أنابيب وطرق إمداد تربط سوريا بكل من العراق وتركيا، ما يمنحها دورًا إقليميًا يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة.
وتبرز المناطق الشرقية من البلاد باعتبارها الخزان النفطي الأهم، إذ تتقاسم محافظتا الحسكة ودير الزور الدور المحوري في إنتاج النفط.
ففي الشمال الشرقي، يبرز حوض الرميلان كأكبر تجمع نفطي، ويضم منظومة كثيفة من الآبار يزيد عددها على 1300 بئر موزعة على عدة حقول متقاربة، ما جعله المصدر الأوسع لاستخراج النفطين الثقيل والمتوسط.
أما في دير الزور، فتتقدم المحافظة من حيث الحقول الأعلى إنتاجية، إذ يُشكّل حقل العمر الدعامة الأساسية للإنتاج النفطي السوري، بعدما بلغ في مراحل سابقة مستويات قاربت 80 ألف برميل يوميًا، إلى جانب حقول أخرى مثل التنك والمحطة الثانية، التي تعزّز الأهمية الاستراتيجية للمحافظة ضمن الخريطة النفطية للبلاد.
وبحسب التقديرات، تصل الكميات القابلة للاستخراج إلى نحو 2.5 مليار برميل، في حين لا يزال الإنتاج الحالي دون هذا السقف، إذ يُقدَّر بنحو 100 ألف برميل يوميًا. ومع تقدّم أعمال إعادة التأهيل الفني للمنشآت المتضررة، تتجه الخطط المعتمدة نحو رفع القدرة التشغيلية، وسط توقعات بإمكانية تجاوز عتبة 150 ألف برميل يوميًا خلال عام 2026، كمرحلة أولى في مسار إعادة تفعيل القطاع.
تعكس استعادة الدولة لقطاع الطاقة محاولة لإعادة الإمساك بأحد أبرز ركائز الاقتصاد السوري، بما يساهم في خفض كلفة الاستيراد، وزيادة موارد الخزينة، وتعزيز قدرة الحكومة على تلبية احتياجاتها الأساسية، ولا سيما في مجالي الكهرباء والوقود.
كما تشكّل هذه الخطوة مدخلًا لتنظيم سوق الطاقة داخليًا بعد سنوات من الاضطراب والاعتماد على بدائل مرتفعة الكلفة وغير مستقرة.
وتعوّل السلطات على أن يخفّف هذا المسار الضغوط عن المالية العامة، ويدعم استقرار سعر الصرف، ويحسّن توافر السلع الحيوية، بالتوازي مع توفير مناخ أكثر ملاءمة لاستقطاب الاستثمارات الضرورية لإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة لقطاع الطاقة.
وفي هذا الإطار، تنظر دمشق إلى استعادة السيطرة على القطاع بوصفها خطوة استراتيجية لإعادة بنائه ضمن إدارة مركزية تضمن توظيف الموارد لخدمة مختلف المناطق.
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، أحكم تنظيم “داعش” سيطرته على المنطقة، واتخذها مركزًا لما سمّاه خلافته، قبل أن تنتزعها منه “قسد” بدعم من التحالف الدولي.


