بدايةً، تحية لروحك يا خالد، وفي النهاية لا ينفع الرثاء.
لنعد إلى البدايات.
إن كيانات اليوم في الشرق الأوسط هي ثمرة التقاء مصالح “لحظية” لصنّاع القرار الدولي؛ أوجدوها لمصالح آنية من دون تبصّر بالعواقب المستقبلية، مما أدى إلى ظهور عيوب بنيوية حالت دون استقرارها، وأفضت إلى الانفجار الحتمي. وهذا هو الواقع المشهود اليوم من خلافات لا يبدو لها حل في المدى القريب، ولا حتى البعيد.
عرفت الفترة ما بين الحربين العالميتين قيام كيانات الشرق الأوسط الحالية، ليستكمل المشهد في العام 1948 بقيام “إسرائيل” على حساب أرض الشعب الفلسطيني، وطرد النسبة الأكبر منهم خارج ديارهم.
بدأت علاقة اللبنانيين بالحركة اليهودية تجاريةً من قبل أثرياء (مسيحيين ومسلمين سنّة) عبر بيع أراضٍ لهم في فلسطين بصفتهم مُلّاكاً لتلك الأراضي. لكن ظهر في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي لبعض المسيحيين اللبنانيين أن وجود كيان يهودي إلى جوارهم يوسّع خياراتهم السياسية؛ معتمدين على أنّ لبنان بحاجة إلى حدودين مفتوحتين، وإلا وقع تحت وطأة حدوده مع سوريا، بما قد يرتّبه ذلك من عواقب كثيرة.
كان في طليعة هؤلاء إميل إده، عميد حزب الكتلة الوطنيّة، وأيضاً البطريرك عريضة والمطران مبارك. إلا أن ذاك التيار لم يكن الأوسع بين المسيحيين؛ إذ ذهبت معظم القيادات نحو خيار لبنان المتعدد الطوائف، الذي تجمع بين أبنائه إرادة عيش مشترك قوامه الحرية والعدل والمساواة.
لم يكن هذا الخيار عبثياً كما يبدو عليه الحال حالياً؛ إذ كان العرب آنذاك تحت تأثير قيم الديمقراطية الغربية، كحرية الصحافة، والانتخابات النيابية، واستقلال القضاء، وحكم القانون. لكن حرب فلسطين وقيام “إسرائيل” بدّلا المشهد تبديلاً جذرياً؛ إذ فُتح الباب بعدها بأشهر على مصراعيه للانقلابات العسكرية في سوريا ثم مصر، وصولاً إلى معظم الدول العربية.
انتقلت السلطة بعد الحكم العسكري المباشر إلى أنظمة أشد قمعاً من سابقاتها بحكم الأيديولوجيات العسكرية الشمولية. وبقي لبنان يصارع من أجل قيم الديمقراطية والحرية واستقلالية القضاء، إلى أن وصلنا إلى ما قاله “دانتي” في تصوره لما كُتب فوق باب الجحيم: “أيها الداخل إلى هذا المكان، اسقط عنك كل أمل”. وإذا تجرأنا على بعض التصرف في العبارة، يصبح القول: “أيها الساعي لحل مأساة لبنان، اسقط عنك كل أمل”.
ليس بالضرورة الالتزام الحرفي بهذه النصيحة، كون البلاغة — وهنا نعود إلى “دانتي” — تتطلب شيئاً من المبالغة!
لكن ما نعيشه اليوم يجبرنا على استحضار “إيريك آرثر بلير”، وهو الاسم الحقيقي لـ”جورج أورويل”؛ الصحافي والروائي البريطاني الذي اشتهرت أعماله بالوضوح، والتحذير من غياب العدالة الاجتماعية، ومعارضة الحكم الشمولي.
ومن أهم كتبه الروائية “مزرعة الحيوان” (Animal Farm)، وهي رواية مجازية على طريقة “ابن المقفع”، خلاصتها أنها تصور نقيض “المدينة الفاضلة” لأفلاطون؛ أي “الديستوبيا” أو المدينة الفاسدة، حيث يسود مجتمع سياسي غير فاضل تغمره الفوضى، في عالم ليس للخير فيه مكان. مجتمع يحكمه الشر المطلق، ومن أبرز ملامحه الخراب والقتل والقمع والفقر والمرض. باختصار، هو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، فيتحول المجتمع إلى مجموعة من المسوخ يتناحر بعضها مع بعض…
وللحديث تتمة… السلام لروح خالد جراب.


