مع إعلان نتائج المؤتمر الثامن لحركة “فتح”، برزت ساحة لبنان كإحدى الساحات التي حضرت بقوة في الحسابات التنظيمية والسياسية للحركة، خصوصاً مع فوز ياسر محمود عباس بعضوية اللجنة المركزية بعد ترشحه عن لبنان. ويأتي هذا الفوز في لحظة فلسطينية دقيقة، تتداخل فيها تحديات الداخل الفلسطيني مع ملفات الشتات، وفي مقدمها واقع المخيمات الفلسطينية في لبنان والعلاقة مع الدولة اللبنانية.
وأظهر المؤتمر الثامن قدرة حركة “فتح” على إعادة تأكيد حضورها السياسي والتنظيمي، وسط تحديات داخلية وإقليمية متسارعة. كما عكست أجواء الانتخابات والنقاشات التي شهدها المؤتمر حرص القيادة الفلسطينية على تفعيل المؤسسات التنظيمية وتجديد دور الحركة الوطني، من خلال إشراك مختلف الأطر والكادرات في صياغة المرحلة المقبلة. وأظهرت النتائج توجهاً نحو تعزيز الاستقرار الداخلي والحفاظ على وحدة الحركة، بالتوازي مع الدفع باتجاه حضور أكبر للطاقات الشابة والأفكار القادرة على مواكبة التحولات السياسية الراهنة.
وتكتسب عضوية ياسر عباس في اللجنة المركزية أهمية خاصة، باعتبار أنّ هذه اللجنة تُعدّ أعلى هيئة قيادية تنفيذية في “فتح”، وتضطلع بدور أساسي في رسم التوجهات السياسية والتنظيمية للحركة. ومن هنا، فإن وصول عباس إلى هذا الموقع لا يُقرأ فقط كفوز تنظيمي، بل كإشارة إلى منح الملف اللبناني ـ الفلسطيني مساحة أوسع داخل دائرة القرار الفتحاوي، بما يعكس إدراكاً لأهمية الساحة اللبنانية وحساسيتها في المرحلة المقبلة.
فعباس، الذي شغل خلال الفترة الماضية موقع الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس في لبنان، راكم حضوراً سياسياً وتنظيمياً في مقاربة هذا الملف، من خلال متابعته أوضاع المخيمات الفلسطينية، ومواكبته الملفات الاجتماعية والإنسانية المرتبطة باللاجئين، إلى جانب التنسيق مع سفارة دولة فلسطين ولجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني والجهات اللبنانية المعنية. وقد ساهم هذا الحضور في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين المرجعيات الفلسطينية واللبنانية، وفي تكريس مقاربة تقوم على الحوار والتنسيق واحترام خصوصية الواقع اللبناني.
وبحسب مصادر فلسطينية قيادية لموقع “لبنان الكبير”، فإنّ فوز عباس بعضوية اللجنة المركزية يعزز حضور ساحة لبنان داخل القرار الفتحاوي العام، ويفتح الباب أمام متابعة أكثر انتظاماً للملفات الأساسية المرتبطة بالعلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية. وترى أنّ أهمية موقعه الجديد تكمن في قدرته على مواكبة ثلاثة عناوين مركزية: تثبيت الاستقرار داخل المخيمات، حماية الحقوق الإنسانية والاجتماعية للاجئين الفلسطينيين إلى حين العودة، وتعزيز التنسيق المؤسساتي مع الدولة اللبنانية بما يحفظ السيادة اللبنانية والمصلحة الفلسطينية في آن واحد.
وخلال المرحلة الماضية، برز حضور ياسر عباس في أكثر من محطة لبنانية ـ فلسطينية، سواء من خلال مشاركته في المؤتمر التنظيمي السابع لإقليم حركة فتح في لبنان، أو عبر اللقاءات التي تناولت أوضاع المخيمات وملفات النزوح الفلسطيني من الجنوب والقضايا المعيشية والاجتماعية، إضافة إلى مواكبته ملف دعم الأونروا وضرورة استمرار خدماتها الأساسية للاجئين. وهذه المتابعة منحت دوره بعداً عملياً يتجاوز الحضور السياسي، وربطته مباشرة بهموم الفلسطينيين في لبنان وبحاجة المخيمات إلى استقرار ومعالجة مسؤولة.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو فوز ياسر عباس مجرد نتيجة تنظيمية داخلية أفرزها المؤتمر الثامن لحركة فتح، بل رسالة سياسية إلى لبنان والفلسطينيين معاً بأنّ ساحة لبنان ستبقى حاضرة في أولويات الحركة. كما أنّ موقعه الجديد قد يشكل رافعة إضافية للعلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، ويدفع باتجاه مرحلة أكثر تنظيماً وتنسيقاً في إدارة ملف المخيمات، على قاعدة الشراكة والمسؤولية المشتركة، بعيداً عن أي توظيف سياسي أو أمني يمسّ بمصلحة الشعبين اللبناني والفلسطيني.


