مع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في أميركا وكندا والمكسيك، يعود إلى الواجهة سؤال تكرر كثيراً في الوعي العربي خلال العقود الماضية: هل هناك علاقة دائمة بين المونديال والحروب الإسرائيلية؟
فبينما يستعد العالم لمتابعة الحدث الرياضي الأكبر على وجه الأرض، لا تزال المنطقة تعيش على وقع الحرب الإسرائيلية على لبنان، إلى جانب استمرار الحرب على غزة والتوترات الممتدة على أكثر من جبهة.
هذه المفارقة ليست جديدة بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط. فمنذ عقود، غالباً ما تزامنت بطولات كأس العالم مع حروب أو اجتياحات أو انتفاضات أو عمليات عسكرية مرتبطة بالصراع العربي – الإسرائيلي، ما رسّخ لدى كثيرين قناعة بأن أخبار الملاعب والجبهات تسير جنباً إلى جنب كل أربع سنوات.
ومنذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، لم يعرف الشرق الأوسط استقراراً طويلاً. فقد شهدت المنطقة حروباً كبرى واجتياحات عسكرية وانتفاضات فلسطينية ومواجهات حدودية متكررة، فيما واصلت كرة القدم تنظيم أكبر مهرجان عالمي لها كل أربع سنوات. وبين الحدثين نشأت ملاحظة شعبية تحولت مع مرور الوقت إلى مقولة متداولة: “لا يُقام كأس عالم إلا وتكون هناك حرب إسرائيلية”.
لكن هل تؤيد الوقائع التاريخية هذا الانطباع؟ وهل كان تزامن المونديال مع الحروب الإسرائيلية قاعدة ثابتة بالفعل، أم أن الأمر أكثر تعقيداً مما توحي به الذاكرة الجماعية؟
مونديال 1950 – البرازيل:
بعد عام واحد فقط من انتهاء الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى (1948)، كانت المنطقة لا تزال تعيش آثار الحرب، مع وجود مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين، وتوقيع اتفاقيات هدنة بين إسرائيل والدول العربية. لم تحدث حرب شاملة أثناء البطولة.
مونديال 1954 – سويسرا:
مرحلة هدوء نسبي على المستوى العسكري، لكن الحدود شهدت اشتباكات محدودة بين إسرائيل ومصر والأردن وسوريا.
مونديال 1958 – السويد:
في ظل صعود المشروع القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، لم تتزامن البطولة مع حرب واسعة، رغم تصاعد التوترات السياسية.
مونديال 1962 – تشيلي:
استمرار اشتباكات حدودية محدودة وبداية تشكيل التنظيمات الفلسطينية، دون حرب شاملة.
مونديال 1966 – إنكلترا:
قبل حرب حزيران 1967 بعام، شهدت الحدود السورية – الإسرائيلية اشتباكات متكررة ونشاطاً فدائياً فلسطينياً متصاعداً.
مونديال 1970 – المكسيك:
تزامن مع حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل على جبهة قناة السويس، مع عمليات قصف متبادلة شبه يومية، ما جعله أول مونديال يقام أثناء صراع عسكري مباشر.
مونديال 1974 – ألمانيا الغربية:
بعد حرب تشرين 1973، توقفت المعارك الكبرى لكن القوات بقيت في حالة استنفار، وكانت مفاوضات فك الاشتباك مستمرة برعاية دولية.
مونديال 1978 – الأرجنتين:
شهد جنوب لبنان توتراً بسبب عملية الليطاني الإسرائيلية، مع استمرار مواجهات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
مونديال 1982 – إسبانيا:
تزامن مباشر مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان (عملية “سلامة الجليل”) وصولاً إلى بيروت، ما جعله أبرز مثال على التزامن بين المونديال وحرب إسرائيلية واسعة.
مونديال 1986 – المكسيك:
بعد انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، استمر الشريط الحدودي المحتل في الجنوب بمواجهات شبه يومية، دون حرب شاملة.
مونديال 1990 – إيطاليا:
استمرار الانتفاضة الفلسطينية الأولى، مع مواجهات يومية وعمليات اعتقال واسعة في الأراضي الفلسطينية.
مونديال 1994 – الولايات المتحدة:
بعد اتفاق أوسلو، شهدت الفترة انخفاضاً نسبياً في مستوى المواجهات مقارنة بالعقدين السابقين.
مونديال 1998 – فرنسا:
استمرار الاشتباكات في جنوب لبنان وتوتر أمني في الأراضي الفلسطينية، رغم المفاوضات السياسية.
مونديال 2002 – كوريا واليابان:
أوج الانتفاضة الفلسطينية الثانية، مع عملية “الدرع الواقي” الإسرائيلية في الضفة الغربية قبل أسابيع من البطولة.
مونديال 2006 – ألمانيا:
انتهت البطولة قبل اندلاع حرب تموز بثلاثة أيام، لكن قرب الفاصل الزمني جعل الحدثين مترابطين في الوعي العربي واللبناني.
مونديال 2010 – جنوب أفريقيا:
هدوء نسبي، مع استمرار الحصار على غزة وحادثة سفينة “مافي مرمرة”، دون حرب واسعة.
مونديال 2014 – البرازيل:
تزامن مع عملية “الجرف الصامد” الإسرائيلية على غزة، وهو التزامن الأكثر وضوحاً منذ اجتياح لبنان 1982.
مونديال 2018 – روسيا:
قطاع غزة شهد “مسيرات العودة الكبرى” ومواجهات متقطعة، دون حرب شاملة طويلة الأمد.
مونديال 2022 – قطر:
تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية، قبل أقل من عام على اندلاع الحرب الكبرى بعد 7 تشرين الأول 2023.
تكشف المراجعة التاريخية أن بطولات كأس العالم لم تتزامن دائماً مع حروب إسرائيلية كبرى، إلا أن معظمها أُقيم في ظل شكل من أشكال الصراع المرتبط بإسرائيل، سواء عبر حروب شاملة أو انتفاضات فلسطينية أو مواجهات حدودية.
ومن أصل 19 بطولة أقيمت بين 1950 و2022، يمكن رصد تزامن مباشر أو شبه مباشر مع أحداث عسكرية بارزة في أعوام 1970 و1982 و1990 و2002 و2006 و2014، فيما شهدت بطولات أخرى أجواء توتر وصراع مستمر دون الوصول إلى مستوى الحرب الشاملة.
وبالنظر إلى هذا المسار التاريخي، يبدو أن العلاقة بين كأس العالم والصراع العربي – الإسرائيلي ليست علاقة سببية بقدر ما هي انعكاس لحقيقة أخرى أكثر وضوحاً: الحروب والأزمات المرتبطة بإسرائيل كانت حاضرة في المنطقة خلال معظم العقود التي شهدت إقامة المونديال.
واليوم، ومع اقتراب مونديال 2026، يعود هذا المشهد إلى الواجهة مجدداً، ويتكرر السؤال ذاته: هل هي مجرد مصادفة تاريخية، أم أن المنطقة باتت معتادة على استقبال كأس العالم فيما لا تزال نيران الصراع مشتعلة؟


