تركيا وإيران وصياغة القوة الإقليمية

زكريا الغول

على امتداد القرون الخمسة الماضية، شكّلت كل من الدولة العثمانية وفارس قطبي القوة الرئيسيين في المشرق الإسلامي. إلا أن مسار تطور كل منهما اختلف بصورة جوهرية، سواء في مرحلة الصعود أو التراجع أو إعادة بناء النفوذ في العصر الحديث.

كانت الدولة العثمانية إحدى أكبر الإمبراطوريات، إذ امتدت ولاياتهامن البلقان إلى الجزيرة العربية ومن شمال أفريقيا إلى حدود إيران. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مثّلت قوة عالمية كبرى تنافس القوى الأوروبية الكبرى وروسيا القيصرية. لكن منذ أواخر القرن السابع عشر بدأت مؤشرات التراجع تظهر تدريجياً مع صعود روسيا والنمسا وتقدم الثورة الصناعية الأوروبية.

وقد شهد القرن التاسع عشر سلسلة من الحروب العثمانية الروسية التي شكلت نقطة تحول استراتيجية. فقد أدت إلى خسارة مساحات واسعة في البلقان والقوقاز، ثم تزايدت النزعات القومية في الولايات الأوروبية التابعة للسلطنة، ما أفضى إلى استقلال اليونان وصربيا ورومانيا وبلغاريا وغيرها. ومع مطلع القرن العشرين أصبحت الدولة العثمانية توصف في الأدبيات الأوروبية بـ الرجل المريض، إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى لتنهي وجودها السياسي نهائياً سنة 1922.

في المقابل، لم تتمتع فارس بالامتداد الإمبراطوري نفسه الذي عرفته الدولة العثمانية. فمنذ القرن التاسع عشر وجدت الدولة القاجاريةنفسها بين قوتين: روسيا القيصرية شمالاً والسلطنة العثمانية غرباً، إضافة إلى النفوذ البريطاني القادم من الخليج والهند. وتحولت إيران عملياً إلى ساحة تنافس بين روسيا وبريطانيا، وهو ما تجسد في اتفاقية عام 1907 التي قسمت مناطق النفوذ داخل البلاد بين الروس والبريطانيين.

وبينما خسرت الدولة العثمانية إمبراطوريتها الواسعة بعد الحرب العالمية الأولى، علماً أنها خسرت ولاياتها الأوروبية في ثمانينيات القرن التاسع عشر، فإن إيران واجهت تاريخياً تحدياً مختلفاً تمثل في الحفاظ على وحدة أراضيها مع تقاسم النفوذ بين البريطانيين والروس في فارس بين شمالها وجنوبها، لذلك نشأت لدى النخب الإيرانية الحديثة حساسية خاصة تجاه قضايا الأمن القومي والتدخلات الخارجية، انعكست لاحقاً على سياسات الجمهورية الإسلامية بعد عام 1979.

بعد سقوط الدولة العثمانية، قاد مصطفى كمال أتاتورك عملية إعادة بناء تركيا على أسس قومية وعلمانية. وبدلاً من السعي إلى استعادة الإمبراطورية بالقوة العسكرية، ركزت الجمهورية الجديدة لعقود طويلة على بناء الدولة الحديثة والاندماج في النظام الدولي.

أما إيران، فشهدت صعود أسرة بهلوي ثم قيام الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الخميني. ومنذ ذلك التاريخ تبنت طهران رؤية تعتبر أن أمنها القومي لا ينفصل عن توازنات الإقليم المحيط بها.

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، نجحت تركيا في توسيع حضورها الإقليمي عبر أدوات لا تعتمد أساساً على القوة العسكرية. فقد استفادت من:

النمو الاقتصادي السريع، الانفتاح التجاري والاستثمارات، انتشار الدراما والمسلسلات التركية، السياحة والتعليم والمنح الجامعية والروابط التاريخية والثقافية مع المجتمعات العربية.

وقد ساهمت هذه الأدوات في تشكيل صورة إيجابية نسبياً لتركيا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، خصوصاً خلال العقد الأول من حكم رجب طيب أردوغان. وبذلك تمكنت أنقرة من بناء نفوذ سياسي وثقافي تجاوز حجم تدخلاتها العسكرية المباشرة.

بعبارة أخرى، فإن تركيا استفادت من إرثها التاريخي ومن نجاحها الاقتصادي لتقديم نموذج يجمع بين الهوية الإسلامية والتنمية الاقتصادية.

في المقابل، فإن إيران فقد اعتمدت بصورة أكبر على ما يمكن تسميته ” الدفاع المتقدم” فمنذ الثمانينيات، وبعد الحرب العراقية الإيرانية، اتجهت طهران إلى بناء شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في عدة ساحات إقليمية.

وترى القيادة الإيرانية أن هذه السياسة تمثل خط دفاع متقدماً يمنع نقل الصراعات إلى الداخل الإيراني ويؤمن لها عمقاً استراتيجياً في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين.

لكن هذه المقاربة أفرزت نتائج متباينة. فمن جهة، نجحت إيران في تأسيس حضور سياسي وعسكري مؤثر في عدد من الساحات الإقليمية. ومن جهة أخرى، ارتبط اسمها في نظر قطاعات من الرأي العام العربي بالصراعات المسلحة والحروب الأهلية والاستقطاباتالطائفية، الأمر الذي أدى إلى تنامي مشاعر الرفض أو الشك تجاه دورها في بعض المجتمعات العربية.

وفي قراءة التجربة التاريخية الطويلة لكل من تركيا وإيران، يمكن القول إن المفارقة تكمن في أن وريثة السلطنة العثمانية فقدت كيانها السابق المترامي الأطراف، لكنها نجحت لاحقاً في استعادة جزء من تأثيرها عبر الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية، بينما سعت إيران، التي عاشت قروناً وهي تواجه ضغوط القوى الخارجية، إلى تعزيز مكانتها الإقليمية عبر أدوات أمنية وعسكرية اعتبرتها ضرورية لحماية مصالحها.

فالنموذج التركي يعتمد بصورة أكبر على الجاذبية الاقتصادية والثقافية والتجارية، أي ما يعرف بالقوة الناعمة، بينما النموذج الإيراني يعتمد بدرجة أكبر على التحالفات الأمنية والعسكرية والقوى الحليفة، أي مزيج من القوة الصلبة والنفوذ الأيديولوجي.

وفي حين ساهمت القوة الناعمة التركية في خلق قدر من القبول الشعبي في العديد من المجتمعات العربية، فإن اعتماد إيران على الأدوات العسكرية والأمنية جعل نفوذها أكثر عرضة للجدل والرفض الشعبي في بعض الدول، رغم احتفاظها بقاعدة مؤيدة في ساحات أخرى.

تكشف المقارنة التاريخية بين تركيا وإيران أن النفوذ الإقليمي لا يرتبط فقط بحجم القوة العسكرية أو الإرث الإمبراطوري، بل أيضاً بالأدوات المستخدمة في إدارة العلاقات مع الشعوب والدول. فتركيا ما بعد العثمانيين نجحت إلى حد كبير في تحويل الاقتصاد والثقافة إلى أدوات تأثير، بينما اختارت إيران بعد الثورة الإسلامية مساراً يقوم على بناء عمق استراتيجي أمني وعسكري. وبين هذين النموذجين تتشكل اليوم إحدى أهم معادلات الشرق الأوسط المعاصر، حيث تتنافس القوة الناعمة والقوة الصلبة على رسم ملامح النفوذ الإقليمي ومستقبله.

شارك المقال